أحمد بن يحيى العمري

221

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

عشرة وستمائة في قريته ، وهي " القنيّة " « 1 » ، من أعمال " دارا " ، وقبره مشهور بها يزار ، وكان قد ناهز تسعين سنة من عمره . رحمه الله تعالى . ومنهم : 56 - السّاوجي شيخ القلندريّة جمال الدّين محمد الزّاهد « 13 » أليف حال لو صبّ على الصخر لتصدّع ، ولو استوقف به المفارق لما ودّع ، هام بالحب فتيّمه ، وأنكله مذ أحبّ وأيّمه ، شهدت البصائر من حاله ما أعجب ، ومن فرط بكائه وانهماله ماء لولا النار لأعشب ، فحمّل إنسان عينيه ما لم يطق ، وسقي بكأس مذ شرب منه لم يفق . وكان في مبدأ أمره إذ قدم دمشق بطلب العلم مشتغلا ، وفي لهب الجد مشتعلا ، ثم شمّر للزهد إزاره ، وانقطع سواء من هجره أو زاره ، وأقام مجاورا لمحلّة الأموات ، وجارا للأعظم الرّفات ، ثم حلق شعر لحيته ورأسه ، واتخذه شعارا لأناسه ، فلم يزل ريا لأتباعه ، وحلية لضباع قاعه وسباعه ، وربما أتى هو وبعض ذويه بمخاريق وكرامات ، للإنكار فيها طريق ، وأصحابه يرمون باستعمال المسكر ، إلا أنه الذي لا يعصر ، والمسكر الذي يفعل فعل المدام ، ولا يعرف وينكر . قدم دمشق ، وقرأ القرآن والعلم ، وسكن بجبل قاسيون بزاوية الشيخ عثمان الرومي ، وصلى به مدة . ثم حصل له زهد ، وفراغ عن الدنيا ، فترك الزاوية وانملس « 2 » ، وأقام بمقبرة الباب الصغير ، قريبا من الموضع الذي بني فيه القبة لأصحابه ، وبقي مدة في قبّة زينب بنت زين العابدين ، فاجتمع فيها بالجلال الدركزيني ، والشيخ عثمان كوهي الفارسي ، الذي دفن بالقنوات ، بمكان القلندرية . ثم إن السّاوجي حلق وجهه ورأسه ، فانطلى على أولئك حاله ، فوافقوه ، وحلقوا .

--> ( 1 ) وهي بضم القاف وفتح النون وتشديد الياء المثناة من تحتها : تصغير " قناة " . انظر : ابن خلكان 3 / 257 ( 13 ) انظر ترجمته في : الوافي بالوفيات 5 / 292 - 293 رقم 2351 ، وفيها " شيخ الطائفة القرندلية " ، والدارس 2 / 210 ، وتاريخ الإسلام 45 / 423 رقم 637 . ( 2 ) انملس من الأمر : إذا أفلت منه .