أحمد بن يحيى العمري

204

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

ألف مرة ، ويزور المقابر بعد العصر في كل جمعة ، ويصعد يوم الاثنين والخميس إلى مغارة الدم ماشيا بالقبقاب ، فيصلي فيها ما بين الظهر والعصر ، وإذا نزل جمع " الشّيح " من الجبل وربطه بحبل وحمله إلى بيوت الأرامل ، واليتامى ، ويحمل في الليل إليهم الدراهم ، والدقيق ، ولا يعرفونه ، ولا ينام إلا على طهارة ، ومتى فتح له بشيء من الدنيا آثر به أقاربه ، وغيرهم ، ويتصدّق بثيابه ، وربما خرج الشتاء وعلى جسده جبّة بغير ثوب [ من تحتها يتصدق بالتحتاني ] ، ويبقى مدة طويلة بغير سراويل ، وعمامته قطعة من بطانة ، فإن احتاج أحد إلى خرقة ، أو مات صغير يحتاج إلى كفن قطع له منها قطعة ، وكان ينام على الحصير ، ويأكل خبز الشعير ، وثوبه خام إلى أنصاف ساقيه ، وما نهر أحدا ولا أوجع قلب أحد ، وكان يقول : " أنا زاهد ولكن في الحرام ! " . ولما نزل صلاح الدين على القدس كان هو وأخوه الموفق في خيمة ، فجاء العادل إلى زيارته ، وهو في الصلاة فما قطعها ، ولا التفت ، ولا ترك ورده ، وكان يصعد المنبر وعليه ثوب خام مهدول الجيب ، وفي يده عصا ، فما قطعها ، ولا التفت ، والمنبر يومئذ ثلاث مراقي ، وكان يحضر الغزوات مع صلاح الدين . قال أبو المظفر « 1 » : وكراماته كثيرة ؛ فمنها : أني صليت يوم جمعة بجامع الجبل في سنة ست وستمائة ، والشيخ عبد الله اليونيني « 2 » إلى جانبي ، فلما كان في آخر الخطبة والشيخ أبو عمر يخطب ، نهض الشيخ عبد الله مسرعا ، وصعد إلى مغارة توبة ، وكان نازلا بها ، فظننت أنه احتاج إلى وضوء أو آلمه شيء ، فصلّيت وطلعت وراءه ، وقلت له : خير ما الذي أصابك ؟ ، فقال : هذا أبو عمر ما تحل خلفه صلاة ! ، يقول على المنبر : " الملك العادل " وهو ظالم ! فما يصدق ! ! ! . وكان أبو عمر يقول : " اللهم وأصلح عبدك الملك العادل سيف الدين أبا بكر ابن أيوب " .

--> ( 1 ) مرآة الزمان 8 / 547 - 549 . ( 2 ) نسبة إلى بلدة يونين القريبة من بعلبك .