أحمد بن يحيى العمري
173
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
وكان علّامة في الفقه والتفسير ، والحديث ، والأصول ، والأدب ، والشعر ، والكتابة ، وعلم التصوف ، وجمع بين الشريعة والحقيقة . وأصله من ناحية " أستوا " « 1 » ، من العرب الذين قدموا خراسان . توفي أبوه وهو صغير ، وقرأ الأدب في صباه ، وكانت له ضيعة مثقلة الخراج بنواحي " أستوا " ، فرأى من الرأي أن يحضر إلى نيسابور ، يتعلم طرفا من " الاستيفاء " ويحمي الضيعة من الخراج ، فحضر نيسابور على هذا العزم ، فاتفق حضوره مجلس الشيخ أبي عليّ الحسين بن علي النيسابوري المعروف ب " الدقاق " - وكان إمام وقته - فلما سمع كلامه أعجبه ، ووقع في قلبه ، فرجع عن ذلك العزم ، وسلك طريق الإرادة ، فقبله الدقاق ، وأقبل عليه ، وتفرّس فيه النجابة ، فجذبه بهمّته ، وأشار عليه بالاشتغال بالعلم ، فخرج إلى درس أبي بكر محمد بن أبي بكر الطوسي ، وشرع في الفقه حتى فرغ من تعليقه . ثم اختلف إلى الأستاذ أبي إسحاق الأسفراييني ، وقعد يسمع درسه أياما ، فقال الأستاذ : هذا العلم لا يحصل بالسماع ، ولا بدّ من الضبط بالكتابة ، فأعاد عليه جميع ما سمعه تلك الأيام ، فعجب منه ، وعرف محلّه فأكرمه ، وقال له : ما تحتاج إلى درس بل يكفيك أن تطّلع على مصنفاتي « 2 » . فقعد وجمع بين طريقته ، وطريقة ابن فورك « 3 » . ثم نظر في كتب القاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني « 4 » ، وهو مع ذلك يحضر مجلس أبي علي الدقاق . وزوّجه ابنته ، مع كثرة أقاربها .
--> ( 1 ) أستوا : بضم أوله وسكون السين المهملة ، وضم التاء المثناة من فوقها ، أو فتحها وبعدها واو ثم ألف ، وهي ناحية بنيسابور كثيرة القرى ، خرج منها جماعة من العلماء " وفيات الأعيان لابن خلّكان 3 / 208 " . ( 2 ) تبيين كذب المفتري 273 ، ووفيات الأعيان 3 / 206 . ( 3 ) هو الإمام أبو بكر محمد بن الحسن الفوركي ، الشهير : بابن فورك ، الأصبهاني ، الفقيه ، المتكلم ، كان إماما عالما ، استدعي إلى نيسابور ، وتخرّج به جماعة في الأصول ، والكلام ، وله فيها تصانيف ، وكان رجلا صالحا ، سمع الحديث ، وروى عنه أبو بكر البيهقي ، وأبو القاسم القشيري ، وغيرهما . قتله محمد بن سبكتكين بالسم ، سنة ست وأربعمائة . انظر : النجوم الزاهرة 4 / 240 . ( 4 ) هو القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني البصري ، المتكلم على مذهب الأشعري . سكن بغداد ، وله التصانيف المشهورة ، مات ببغداد سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة ، والباقلاني : نسبة إلى الباقلا وبيعه . انظر : اللباب 1 / 9 .