أحمد بن يحيى العمري
153
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
وبقي حوله جماعة ، فسألوه أن يدعو ؟ . فسكت ساعة ثم قال : " اللهم اضربهم بسياط الخوف ، واقتلهم بأزمّة الشوق ، وافنهم عن مؤالفات الرسوم ، وأغنهم عن ملاحظات الفهوم . اغفر لهم إن انصرفوا عنك ، ووفقهم إن أقبلوا عليك ، خرّب منازل فنائهم ، واعمر منازل بقائهم ، وكن لهم كما لم تزل ، اشغل اللهم الكل بمفارقة الكل " . ثم أنشأ يقول : الناس كلهم بالعيد قد فرحوا * وما فرحت به ، والواحد الصمد لما تثبتّ أني لا أعاتبكم * غضضت طرفي فلم أنظر إلى أحد « 1 » ثم قال : " إلهي طموح الآمال قد خابت إلا لديك ، وعكوف الهمم قد تعطّلت إلا عليك ، ومذاهب المعارف قد قصرت إلا إليك " . وكان ابن بشار نهى الناس عن الذهاب إلى الشبلي والاستماع من كلامه ، فلقيه يوما ، فجعل الشبلي يكلمه ، وابن بشار يقول : كم من خمس من الإبل ؟ ! . فلما أكثر ، قال له الشبلي : في واجب الشرع شاة ، وفيما يلزمنا : كلّها . فقال ابن بشار : لك بهذا القول إمام ؟ . قال : نعم ، أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، حيث أخرج ماله كله ، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ما خلّفت لعيالك ؟ . قال : الله ورسوله . فذهب ابن بشار ولم ينه عن مجلسه بعد ذلك . وسئل الشبلي عن قوله تعالى : قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ « 2 » ؟ . فقال : " أبصار الرؤوس : عما حرّم الله . وأبصار القلوب : عما سوى الله عزّ وجلّ « 3 » " . وقال الشبلي : " كنت يوما جالسا فجرى بخاطري أني بخيل ، فقلت : أنا بخيل ! .
--> ( 1 ) ديوان الشبلي 97 ، محاضرة الأبرار لابن عربي 2 / 168 ، المخلاة لبهاء الدين العاملي 128 . ( 2 ) سورة النور - الآية 30 . ( 3 ) انظر : ابن الملقن 205 ، طبقات الشعراني 1 / 89 ، اللمع 91 .