أحمد بن يحيى العمري

90

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

ومنهم : 10 - أبو زكرياء يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الأسلمي الديلمي الفرّاء « 13 » الكوفي ، روى العطش وأورى الغطش « 1 » ، وكان يبكر إلى العلم والليل ما نصل خضابه ، والظل ما رشف من ثغور الأقحوان رضابه ، ويواصل على هذا الاجتهاد أزمنته ويفرج بهذا الجهاد أزمّته ؛ انفرج عنه صدر النهار ، واندفق به سيل النضار وطال ظلّ منتابيه « 2 » ، وقال مادحه لا يحابيه ، ثم أتاه أجله وجمع إليه مستعجله ، ومات إلا إفاداته ، ونسي إلا عاداته . قال أبو العباس ثعلب : كان السبب في إملاء الفرّاء في المعاني أن عمر بن بكير كان من أصحابه ، وكان منقطعا إلى الحسن بن سهل فكتب إلى الفرّاء أن الأمير الحسن بن سهل ربّما سألني عن الشيء بعد الشيء من القرآن فلا يحضرني فيه جواب ، فإن رأيت أن تجمع لي أصولا ، أو تجعل في ذلك كتابا أرجع فيه ، فقال الفرّاء لأصحابه اجتمعوا حتى أملي عليكم كتابا في القرآن ، وجعل لهم يوما ، فلما حضروا خرج إليهم ، وكان في المسجد رجل يؤذن ويقرأ بالناس في الصلاة ، فالتفت إليه الفرّاء ، فقال له : اقرأ فاتحة الكتاب ففسّرها ، ثم مدّ في الكتاب كلّه يقرأ الرجل ، ويفسّر الفرّاء ، فقال أبو العباس : لم يعمل أحد قبله مثله ، ولا أحسبه أحدا يزيد عليه . قال ثعلب : وكان السبب في إملائه الحدود « 3 » أن جماعة من أصحاب الكسائي صاروا إليه وسألوه أن يملي عليهم أبيات النحو ففعل ذلك ، فلما كان المجلس الثالث قال بعضهم لبعض : إن دام على هذا علم النحو الصبيان ، والوجه أن يقعد عنه ، فقعدوا عنه فغضب ، وقال سألوني القعود ، فلما قعدت تأخّروا ، والله لا سهلنّ النحو ما اجتمع اثنان ، فأملى ست عشرة سنة ولم ير في يده كتاب إلا مرة واحدة .

--> ( 13 ) ترجمته في : إنباه الرواة 4 / 1 ، ونزهة الألباء 81 ، والبلغة 280 ، وإشارة التعيين 379 ، وبغية الوعاة 2 / 333 . ( 1 ) الغطش : الضعف في البصر . اللسان ( غطش ) 10 / 87 . توفي سنة 207 ه . ( 2 ) متنابيه : أي ، قاصديه . اللسان ( نوب ) 14 / 319 . ( 3 ) الحدود : أحد مؤلفات الفرّاء .