أحمد بن يحيى العمري
82
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
فيتكلمون في النحو ، فقال الخليل : لا بدّ لهم من أصل ، فوضع العروض ، وخلا في بيت ووضع بين يديه طستا ، وما أشبهه ، وجعل يقرعه بعود ، يقول : مستفعلن فاعلن فعولن ، فسمعه أخوه ، فخرج إلى المسجد ، فقال إن أخي قد أصابه جنون ، وأدخلهم وهو يضرب الطست ، فقالوا : يا أبا عبد الرحمن مالك ، أصابك شيء ، أتحب أن نعالجك ؟ فقال : وما ذاك ؟ قالوا : أخوك يزعم أنك قد خولطت ، فأنشأ يقول : [ الكامل ] لو كنت تعلم ما أقول عذرتني * أو كنت تعلم ما تقول عذلتكا لكن جهلت مقالتي فعذلتني * وعلمت أنّك جاهل فعذرتكا ويروى أن ابنه فعل ذلك . قال ابن خلكان : كان إماما في علم النحو ، وهو الذي استنبط علم العروض ، وحصر أقسامه في خمس دوائر ، يستخرج منها خمسة عشر بحرا ، وزاد فيه سعيد بن مسعدة الأخفش الأوسط بحرا سمّاه الخبب ، وهو المتدارك . وقيل إن الخليل دعا بمكة أن يرزق علما لم يسبقه إليه أحد ولا يؤخذ إلا عنه . فلما رجع من حجّه فتح عليه بعلم العروض وكانت له معرفة بالإيقاع والنغم « 1 » . وقال حمزة بن الحسين الأصفهاني « 2 » في حقه : وبعد فإن دولة الإسلام لم تخرج أبدع للعلوم الذي لم يكن لها عند علماء العرب أصول من الخليل ، وليس على ذلك برهان أوضح من علم العروض ، الذي لا عن حكيم أخذه ، ولا عن مثال تقدمه احتذاه إنما اخترعه من ممرّ له بالصفارين من وقع مطرقة على طست ، ثم قال : فلو كانت أيامه قديمة ورسومه بعيدة لنسك فيه بعض الأمم لتصنيفه مالم يصنفه أحد منذ خلق الله الدنيا . قال ابن خلكان : وكان الخليل رجلا صالحا عاقلا حليما وقورا ومن كلامه : لا يعلم الإنسان خطأ معلّمه حتى يجالس غيره .
--> ( 1 ) وفيات الأعيان 2 / 244 . ( 2 ) حمزة بن ( الحسين ) الأصفهاني ، مشارك في أنواع العلوم ، توفي سنة 380 ه . معجم المؤلفين 4 / 78 .