أحمد بن يحيى العمري
71
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
راحه « 1 » ، ولا يتعدّاها أمل اقتراحه ، وكان رفقته يعيرونه بشرب الخمر ، ويسمعونه فيها الملام ، ويلحقون بسببه عليه الكلام ، وكان يحتمل ويتذرع الصبر ويستملّ . فإذا أمضته ألسنتهم الراشقة ، وطعنته أسنّتهم الماشقة قال : لو كان للزنا واللواط رائحة تشم مثل الخمر حتى نهتك كلّ مستتر ، ولكن بليته بما تشمّ له رائحة ، وابتلوا بما لا تشمّ له رائحة . وتزوج قريب موته بنت أقوش قتّال السبع ، وكان أحد أمراء الدولة الأكابر ، فكان يطير بجناحه ويقاتل رفاقه المعتدين عليه بسلاحه وكان ينتسب إلى قضم الأعراض وهتك الأحساب ، والتجوز في الأذى والتقصد والضرر . ومنهم : 2 - محمد بن إبراهيم النجادي البجلي لغوي سوى كلامه الذي يلقى وغير مكامن النقص الذي به يطغى ، أتقن لغة العرب وضبطها ، وقيّد شواردها النادّة كالإبل وربطها ، لا يدانيه ابن قريب « 2 » ، ولا أبو عبيدة له إلّا من عبيد الغريب ، زيّن هذا بتفنّن في الأدب وتنوع في العلم مكتسب ، وكان يتونس في ذرى ملك كساه العلا أثواب البقا ، وعلا السماء مرتقى ، وفضل أجود من الغمام ، وإن لم يسأل حوى سبقا ، فقات الأمم وفاء ، محاماة على الذمم ، وقد ذكره شيخنا أبو حيّان ، وأثنى عليه بما لا تذهبه الأحيان ، ومما أنشد له قوله : [ مجزوء الرجز ] كم قلت إذ غادر من * كان الفؤاد منزله أأشعريّ خدّه * أم من المعتزلة
--> ( 1 ) مطي راحه : لا تفارق الكأس كفّه . ( 2 ) ابن قريب ، هو عبد الملك بن قريب الأصمعي ، توفي سنة 216 ه . وفيات الأعيان 3 / 175 .