أحمد بن يحيى العمري

69

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

1 - جمال الدين بن المكرّم « 13 » فأمّا من وقع بمصر منهم وأمثالهم . ومنهم جمال الدين بن المكرّم ، وهو من ولد رويفع بن رفاعة الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، مقيم لأثره إحسان ومقيل لعثرة لسان . حصل على شرف لا ينال ، وطرف دونه النجم في المنال ، ولم يتخذ سوى الليل سميرا ، ولا غير طلب العلم ضميرا ، فلم يذق النوم إلّا عرارا « 1 » ولا عرف الليل إلّا سرارا « 2 » ، وكتب على عينه السهر ومنادمة الكواكب إلى السحر فأحيا الليالي ، وقد مات حنين النهار في أحشائها ، وذهب لجين الصباح في ذهب غشائها . وتوقّد وقد أطفئت شعلة المريخ ، ولم يحصل شفق النهار إلّا على التلطيخ ، فكتب أوقارا ، وذاب ليلا ونهارا حتى كفّ بصره ، وثنى عنانه مقصره على أنه كان مولعا برضاع الكؤوس ورضى الكاعب العروس . وولي التتار حين غلبتهم ، وجرى معهم في حلبتهم ، ثم ذهب وكان يقال : إنه يكون منظرا ، ووجدوا ما عملوا محضرا ، وكان أبوه جلال الدين مكرم ممن له اتصال بخدمة الملك الكامل وحضور في مجلسه الخاص كالنديم له ، وكان من ذوي المروءة والعصبية كثير العناية بالناس ، وقضاء حاجة ذوي الحاجات ، ودام على هذا إلى الممات وفيه قيل : [ مجزوء الكامل ] قالوا المكرّم قد مضى * قلت السّلام عليك مصر ما بعد يوم مكرّم * للفضل إمّا عاش عذر ونشأ ولده وقرأ وتأدب ، وصحب شرف الدين أبا العباس التيفاشي ، وأخذ عنه واستمد منه وألّف كتاب سرور النفس مما كان التيفاشي جمعه ، وضنّ به فما أبرزه من خدره ولا أطلعه . هو كتاب ممتع ، وفيه لأهل المحاضرة مقنع . وكتب جمال الدين بديوان الإنشاء بمصر ،

--> ( 13 ) ترجمته في : الدرر الكامنة 4 / 262 ، والبغية 1 / 248 ، ومعجم المؤلفين 12 / 47 . توفي سنة 711 ه . ( 1 ) عرارا : التعارّ والعرار : السهر والتقلّب في النوم . اللسان ( عرّ ) 9 / 125 . ( 2 ) سرارا : سرّ كلّ شيء : جوفه . اللسان ( سرّ ) 6 / 235 .