أحمد بن يحيى العمري
63
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
ومنهم : 6 - أبو عبد الله محمد بن الصايغ القرشي « 13 » الأموي ، أغزر من أغرف أدبا ، وألّف في تحصيله دأبا ، وأنقد من رأيت لمعنى ، وأوقد من رضيت ذهنا . هو في اللغة إمام مبرّز بجميع كلام العرب ، محرز مع نحو ما ترك منه شعبا ، ولا خلّى من العربية ذلولا ولا صعبا . ملك نوافر الكلم حتى اقتاد جوامحها ، وارتاد مسارحها ، وسدّ في العروض خلل الخليل « 1 » ، وبرز على التبريزي في مصنّفه الخليل ، وطرق قدامة بن الحاجب حاجبا ، وانقطع ابن القطّاع وما أدّى واجبا ، وركب بحوره ولم يخش الغرق ، وأتى بقوافيه وما أزعجها في أماكنها القلق . وله في الصناعتين ما فاق الدرر ، مفرطة وسلكا ، ولم يخط خطوة منهما مخلوجة . وسلكيّ أدب ولذي وثب . فرائده لديّ طالما اجتنيت منه ثمرا واجتلبت منه بالمذاكرة سمرا . وهو ممن يأوي بالمرتبة إلى بيت عريق ، وأصل مرواني أينع له غصن وريق ، ذكر أنه من ولد هشام بن عبد الملك ، وأنه من النسب الأموي في السنام لا في الورك ، نسبة تداولتها ولاة بيته ، ورواة بلده عن حيّه وميته . وها هو الآن بالقاهرة أحد أعلامها المطبب لسقام آلامها والمطنب في محاسن كلامها . وما النيل من خلائقه الحسنى بأعذب ، ولا المغناطيس من إبداعه بأجذب . ومن نثره قوله : وقف الحجاح ووقفنا دون ما عهد إلينا * وسعوا وسعينا فما تعود لائمته علينا قوله : نفروا وانقلبنا بالوزر عن الارتكاض * وأفاضوا وأفضنا بقداح القدح في الأعراض
--> ( 13 ) لم يؤرخ العمري لميلاده ولا لوفاته أصلا . ( 1 ) يعني الخليل بن أحمد الفراهيدي واضع علم العروض في الشعر .