أحمد بن يحيى العمري
37
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
قال الخطيب : سمعت غير واحد يحكي عن أبي عمران : الأشراف والكتّاب كانوا يحضرون عنده ؛ ليسمعوا منه كتب ثعلب وغيرها ، وكان له جزء قد جمع فيه فضائل معاوية ، فكان لا يترك واحدا منهم يقرأ عليه شيئا حتى يبتدئ بقراءة ذلك ، وكان جماعة لا يوثّقون أبا عمر في علم اللغة حتى قال لي عبيد الله بن أبي الفتح فقال : إن أبا عمر لو طار طائر لقال حدّثنا ثعلب عن ابن الأعرابي ، ويذكر في معنى ذلك شيئا . فأما الحديث فرأيت جميع شيوخنا يوثّقونه فيه . وحدثنا ابن أبي علي عن أبيه قال : ومن الرواة الذين لم نر أحفظ منهم أبو عمر غلام ثعلب ، أملى من حفظه ثلاثين ألف ورقة لغة فيما بلغني ، وجميع كتبه إنما أملاها بغير تصنيف ولسعة حفظه اتّهم ، وكان يسأل عن الشيء الذي يقدّر السائل أن واضعه مجيب عنه ، ثم يسأل غيره بعد سنة فيجيب بجوابه ؛ أخبرت أنه سئل عن قنطرة صحفت ، فقيل له : ما القنطرة ؟ ، فقال : هي كذا . قال : فتضاحكنا . ولمّا كان بعد شهور هيّأنا من سأله عنها ، فقال : أليس قد سئلت عن هذه منذ شهور وأجبت . قال الخطيب : حكى لي رئيس الرؤساء أبو القاسم علي بن الحسن « 1 » عمّن حدّثه أن أبا عمر الزاهد كان يؤدب ولد القاضي أبي عمر محمد بن يوسف ، فأملى يوما على الغلام ثلاثين مسألة لغة ، وختمها ببيتين . وحضر ابن دريد وابن الأنباري ، وأبو بكر بن مقسم عند القاضي ، فعرض عليهم المسائل ، فقال ابن الأنباري : أنا مشغول بتصنيف مشكل القرآن ، وقال ابن مقسم : أنا مشغول بالقراءات ، وقال ابن دريد هي من وضع أبي عمر : فبلغ أبا عمر ذلك ، فسأل القاضي إحضار دواوين جماعة عيّنهم له ، ففتح خزانته ، وأخرج تلك الدواوين . فلم يزل أبو عمر يعمد إلى كل مسألة ، ويخرج له شاهدا ويعرضه على القاضي حتى تمّمها . « 2 » ثم قال : والبيتان أنشدناهما ثعلب بحضرة القاضي ، وكتبها القاضي على ظهر الكتاب
--> ( 1 ) هو المعروف ب ( ابن سلمة ) . ( 2 ) تاريخ بغداد 2 / 356 - 359 . وينظر : إنباه الرواة 3 / 171 .