أحمد بن يحيى العمري

27

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

يرى تقديم علي بن أبي طالب رضي الله عنه « 1 » . قال أحمد بن عبيد « 2 » : وشاورني ابن السكيت في منادمة المتوكل فنهيته فحمل قولي على الحسد . ونادمه ، فبينا هو مع المتوكل إذ أقبل ابناه المعتز والمؤيد ، فقال المتوكل : يا ابن السكيت ، أيّما أحبّ إليك ابناي هذان أم الحسن والحسين ؟ فغضب ابن السكيت من ابنيه ، وذكر الحسن والحسين بما هما أهله ، فأمر الأتراك فداسوا بطنه ، فحمل إلى داره فمات . وقيل إنه قال : والله إنّ قنبر خادم عليّ ( رضي الله عنه ) خير منك ومن ابنيك . فقال : سلّوا لسانه من قفاه ، ففعلوا ذلك ، فمات ، وذلك لخمس خلون من شهر رجب سنة أربع وأربعين ومئتين ، وقيل سنة ست وأربعين . وبلغ عمره اثنتين وخمسين سنة . وقال المبرد : ما رأيت للبغداديين كتابا أحسن من كتاب ابن السكيت في المنطق « 3 » . وقال : أجمع أصحابنا أنه لم يكن بعد ابن الأعرابي أعلم باللغة من ابن السكيت . قال ابن أبي شدّاد : شكوت إلى ابن السكيت ضائقة ، فقال : هل قلت شيئا ؟ قلت : لا . قال : فأقول أنا ، ثم أنشدني : [ البسيط ] نفسي تروم أمورا لست مدركها * ما دمت آخذ ما يأتي به القدر ليس ارتحالك في كسب الغنى سفرا * لكن مقامك في ضرّ هو السفر وقال : كتب رجل إلى صديق له قد عرضت لي قبلك حاجة ، فإن نجحت فألفاني فيها حظي والباقي حظك . وإن تعذرت فالخير مظنون بك والعذر مقدم لك والسلام . ولمّا جاءه المعتز ليؤدبه ، فقال له : بأي شيء تبدأ ؟ أتريد من العلم ؟ ، فقال المعتز بالانصراف . قال له ابن السكّيت ، فأقوم ، فقال له المعتز : فأنا أخفّ نهوضا منك ، فقام ، فاستعجل ، فعثر بسراويله فسقط ، والتفت إلى ابن السكّيت خجلا ، وقد احمرّ وجهه ،

--> ( 1 ) مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر 28 / 39 . ( 2 ) هو أبو جعفر أحمد بن عبيد ، توفي سنة 273 ه ، إنباه الرواة 3 / 207 ، والأعلام 1 / 166 . ( 3 ) إنباه الرواة 4 / 53 .