أحمد بن يحيى العمري
20
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
مخض « 1 » ، باقي طراز الحسب المذهّب ، والنسب الذي يرغب إليه ويرهب . لم تنس أيامه الأول ولا إقدامه أمام الدول ، هذا القديم عليا ، وعميم سابقه لا يدرك بالأعيا . نشرت أيامها أجنحة نورها ، وحدّقت على الليالي وراء سورها ، وبرّزت عقايل شموسها تتبرج في لجبها ، وتوشّع « 2 » حلل النهار بذهبها ، والزمان كلّه نوائب ويشرق ، والضحى لجنبه جامد وذوائب ، فبلغ من المجد قصاراه ، ونال جلّ ما سمعه ورواه . قال ابن خلكان : كان من أئمة الأدب ، وغلبت عليه اللغة والنوادر والغريب وكان يقوّي رأي القدر ، وكان ثقة في روايته . قال المازني : رأيت الأصمعي وقد جاء إلى حلقة أبي زيد فقبّل رأسه ، وجلس بين يديه ، وقال : أنت سيّدنا ورئيسنا منذ خمسين سنة . وقال أبو زيد : حدّثني خلف الأحمر ، قال : أتيت الكوفة ، لأكتب عنهم الشعر ، فبخلوا عليّ به ، فكنت أعطيهم المنحول وآخذ الصحيح ، ثم مرضت فقلت لهم : ويلكم أنا تائب إلى الله هذا الشعر لي ، فلم يقبلوا منّي ، فبقي منسوبا إلى العرب . وحكى بعضهم أنه كان في حلقة شعبة بن الحجاج فضجر من إملاء الحديث ، فرمى بطرفه فرأى أبا زيد الأنصاري في أخريات الناس فقال : يا أبا زيد : [ البسيط ] استعجمت دارميّ ما تكلّمنا * والدار لو كلّمتنا ذات أخبار إليّ يا أبا زيد ، فجاءه فجعلا يتحدثان ويتناشدان الأشعار ، فقال له بعض أصحاب الحديث : يا أبا سطام ، نقطع إليك ظهور الإبل لنسمع منك حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فتدعنا وتقبل على الأشعار ؟ قال : فغضب شعبة غضبا شديدا ، ثم قال : يا هؤلاء ، أنا أعلم بالأصلح لي ، أنا والله الذي لا إله إلا هو في هذا أسلم مني في ذاك ، وقارب المئة ، ومات بالبصرة سنة خمس عشرة ، وقيل أربع عشرة ، وقيل ست عشرة ومئتين « 3 » .
--> ( 1 ) مخض : المخض هو الطلق ، والمخاض : وجع الولادة . اللسان ( مخض ) 13 / 26 . ( 2 ) توشع : تحسّن . اللسان 15 / 307 . ( 3 ) وفيات الأعيان 2 / 378 .