أحمد بن يحيى العمري

101

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

بكر مجدّا والليل ما انشقّ رداؤه ، والسّحر ما بلّت أعطاف الزهر أنداؤه ، واستدام حتى هدم النوم ، وحرّم على الجفن جفا النوم . فامتلأ ما وسعه إناؤه ، وأودعه منه الدهر وآناؤه ، ثم أضحى يصول صولة الشجاع ، ويفرق تفاريق الشعاع . قال ابن خلكان : كان إماما في النحو والأدب ، ونقل النوادر وكلام العرب . ومما رواه أن أعرابيا هوي أعرابية ، فأهدى إليها ثلاثين شاة وزقا من خمر مع عبد له أسود ، فأخذ العبد شاة في الطريق فذبحها ، وأكل منها وشرب بعض الزقّ ، فلما جاءها بالباقي عرفت أنه خانها في الهدية ، فلمّا عزم على الانصراف سألها ، هل لك من حاجة ، فأرادت إعلام سيّده بما فعل العبد ، فقالت : اقرأ عليه السلام وقل له إن الشهر كان عندنا محاقا ، وإن سحيما راعي غنمنا جاء مرثوما « 3 » فلم يعلم العبد ما أرادت بهذه الكتابة . فلمّا عاد إلى مولاه أخبره برسالتها ، ففطن ما أرادته ، فدعا له بالهراوة ، وقال : لتصدقني وإلا ضربتك بهذه ضربا مبرحا ، فأخبره الخبر فعفا عنه . وهذه من لطايف الكنايات وأحلى الإشارات « 4 » . وله تصانيف مذكورة ، وطلب آخر عمره ليعلّم أولاد المقتدر . وتوفي لا ثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة عشر وثلثمئة .

--> ( 3 ) مرثوما : الرثم : هو الذي لا يصحح كلامه ولا يبيّنه . اللسان ( رثم ) 5 / 137 . ( 4 ) وفيات الأعيان 4 / 337 .