أحمد بن يحيى العمري
72
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
الغباوة وقلة الفهم ، بحسب تفاوتهم في المواضع منها ، بالقرب والبعد حتى كأن منازلهم من الطريق هي منازلهم من العلم محاماة ومقايسة . قال : فقلت : إن نقص أهل الأندلس عن مقادير من رأيت في أفهامهم ، بقدر نقصان هؤلاء عمن قبلهم ، فسأحتاج إلى ترجمان بهذه الأوطان ، ثم قال ابن بسام عنه وبلغني أنه كان يصله كلامه هذا بالتعجب من أهل هذا الأفق في ذكائهم ويتغطّى عنهم عند المباحثة والمقايسة ، ويقول لهم : إن علمي لعلم رواية وليس بعلم دراية ، فخذوا عني ما نقلت ، فلم آل لكم أن صححت « 1 » . قلت : فهذه شهادة لا ترد من أبي عليّ على أهل المغرب إلا الأندلس ، وإقرار ابن بسام له على قوله شهادة عنه ، وهذا أيضا على كثير المغرب أهل المشرق ، فأما أهل جزيرة الأندلس يلغى بها ما قاله ابن بسام عن فضلاء أهلها آنفا : أنه لو نعق بالمشرق غراب أو طن ذباب لحنوا عليه ضما وتلوه كتابا محكما ، وأما ما زعم من أنّ أبا علي البغدادي كان يتغطى عنهم عند المباحثة والمناقشة ، ويقول إن علمي لعلم رواية ، وليس بعلم دراية . فهذا إن صحّ وسلم إليه ، عنه جوابان : الأول : أن أبا علي كما قال صاحب علم رواية ، ليس عنده إلا ذلك ، وقد يكون بلي برجل جدل ، أو رجال كذلك فقصرت حجته عندهم بحق وبمعاناة ، فقال ذلك ، ولا يخلو قطر من ذي جدل فيه . فأما لو رموا بمثل ابن سينا وأضرابه ، والفارابي وأشياعه لذابت حضارتهم فهامت خفافيشهم . والجواب الثاني : أنهم قد ألجؤوه في وقت إلى تأويل باطل لم يمنعهم منه إلا التسليم إليهم ، فمن لم يستجز ذلك فقطعهم بذلك القول عن الحيلة إلى الباطل .
--> ( 1 ) في الأصل ( صحت ) وما أثبته من الذخيرة 1 / 1 / 15 وزاد في الذخيرة بعد هذا ( هذا مع إقرار الجميع له يومئذ بسعة العلم بكثرة الروايات والأخذ عن الثقات . . . )