أحمد بن يحيى العمري

58

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

هل ولد الغرب أمثالهم ، أم حدا في الأنموذج مثالهم ؟ إن الدّهر بمثلهم لعقيم ، ولا عصبية للعظم الرميم ، بل هو منهج الحقّ القويم ، ومبهج الصدق المستقيم . فإن قلت أيها القائل لم خلطت بهؤلاء اليونان ، ومدينتهم واقعة في الغرب بلا خلاف ؟ قلنا : قد نسلّم إليك أن في الغرب مدينتهم ، ومن أرضه طينتهم ، ولكن من الشرق أصل مددهم ، وحاصل ذات يدهم ، فإنهم إنما أخذوا عن حكماء الهند غالب علومهم ، وغامض معقولهم ، ومنهم أوقدوا مصابيح أفهامهم . قال لي شيخنا الحجة فريد الدّهر ، وارث العلم والحكمة ، أبو الثناء محمود بن أبي القاسم الأصفهاني « 1 » - أطال الله بقاءه - : إن أرسطو استأثر بكتب الهند ، لما غلب الإسكندر على أرضهم ، واستعاد ما فيها ، ثم أمر بها فحرقت « 2 » ، حتى لا تنسب حكمتها إلا إليه ، ولا تعرف إلا به . فاعرف من أين الأصل ، ولأيّ الأفقين الحكم الفصل . هذا إذا لم يرد عليك من يأتي بنيانك من القواعد ، ويقول صحيح إن مدينة اليونان في الغرب ، ولكن قد تدبّر الجانب الشرقيّ منهم أناس ، وسكن شرقي الخليج القسطنطيني منهم فرق ، وقد قرر ابن سعيد المتعصب لكم ، والمنتصر لبلادكم أن الخليج القسطنطيني فاصل بين

--> في معجم الفلاسفة 316 و 317 ، كما ترجم له في موسوعة أعلام الفلسفة 1 / 472 - 474 من أشهر كتبه ( مفاتيح الغيب ) في التفسير طبع مرارا وحقق إحدى طبعاته الأستاذ محمد محيي الدين عبد الحميد سنة ( 1352 ه ) بمصر ، وللأستاذ محمد صالح الزركان رحمه الله كتاب ( الرازي وآراؤه الفلسفية والكلامية ) نال به درجة الماجستير من كلية دار العلوم بجامعة القاهرة ، طبع سنة 1392 ه / 1972 م بدار الفكر بيروت . ( 1 ) هو أبو الثناء محمود بن عابد بن الحسين بن محمد التميمي الصرخدي الحنفي ، ولد سنة ( 578 ه ) بصرخد ، ومات سنة ( 674 ه ) بدمشق ، كان من الصلحاء العلماء العاملين ، كثير التواضع قنوعا ، معرضا عن الدنيا ، وكانت له وجاهة عند الملوك ، انتفع به جم غفير من الطلبة . انظر النجوم الزاهرة 7 / 249 - ، 250 ( 2 ) وانظر الفهرست لابن النديم فيه ما يؤيد هذا 392 و 393 .