أحمد بن يحيى العمري

420

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

وقال أبو أحمد بن عدي « 1 » : سمعت عدة مشايخ يحكون أن البخاري قدم بغداد فسمع به أصحاب الحديث فاجتمعوا ، وعمدوا إلى مائة حديث ، فقلبوا متونها وأسانيدها ، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر ، وإسناد هذا المتن لمتن آخر ، ودفعوا إلى عشرة أنفس إلى كل رجل عشرة أحاديث ، وأمروهم إذا حضروا المجلس يلقون ذلك على البخاري ، وأخذوا الموعد للمجلس ، فحضر المجلس جماعة أصحاب الحديث ( ص 167 ) من الغرباء من أهل خراسان وغيرها ، فلما اطمأن المجلس انتدب إليه رجل من الغرباء فسأله عن حديث من تلك الأحاديث ، فقال البخاري : لا أعرفه فسأله عن آخر ، فقال : لا أعرفه ، فما زال يلقي عليه واحدا بعد واحد حتى فرغ من عشرته ، والبخاري يقول : لا أعرفه ، فكان الفقهاء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون : فهم الرجل ، ومن كان منهم غير ذلك ، يقضي على البخاري بالعجز والتقصير ، وقلة الفهم ، ثم انتدب رجل آخر من العشرة ، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة ، فقال البخاري : لا أعرفه ، فسأله عن آخر فقال لا أعرفه ، حتى فرغ من عشرته ، والبخاري يقول في كل ذلك : لا أعرفه . ثم انتدب إليه الثالث ثم الرابع ، إلى تمام العشرة حتى فرغوا كلهم من الأحاديث المقلوبة المائة ، ولا يزيدهم البخاري على قوله لا أعرفه ، فلما علم البخاري أنهم قد فرغوا التفت إلى الأول منهم ، وقال : أما حديثك الأول فهو كذا ، وحديثك الثاني كذا والثالث والرابع على الولاء حتى أتى على تمام العشرة ، فرد كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه ، وفعل بالآخرين مثل ذلك ، ورد متون الأحاديث إلى أسانيدها وأسانيدها إلى متونها ، فأقر له الناس بالحفظ ،

--> ( 1 ) الإمام الحافظ الكبير عبد الله بن عدي الجرجاني ، ويعرف أيضا بابن القطان صاحب كتاب " الكامل في الجرح والتعديل " كان أحد الأعلام ولد سنة ( 277 ) ه وتوفي سنة ( 365 ) التذكرة 3 / 941 - 942 .