أحمد بن يحيى العمري

31

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

الرابع إلا قليلا منه فلم يبق به مدن ، بخلاف الشرق ، فإنه خال من تعطيل البحر لأرضه ، فقد جاء كله مدنا ، آهلة ، وقرى عامرة ، ورساتيق « 1 » متصلة . قال ابن سعيد : فوجب التسليم من المغاربة في هذه المزية . [ تشبيه بعض الحكماء للأرض ] ولما ذكر ابن سعيد : أن بعض الحكماء شبّه الأرض بجسد آدمي ، وعدد أعضاءه ، وجعل الصين والهند رأسه ، والغرب رجله كما تقدم ذكره في هذا الكتاب « 2 » قال : وبهذا التشبيه للمشرق غاية الفخر أن سلّمه إليهم المغاربة . قلت : وفي قول ابن سعيد ( أن سلمه إليهم المغاربة ) في هذا الموضع ، وقوله فيما تقدم : ( فوجب التسليم من المغاربة في هذه المزية ) - من الشمس بمضاهاة الشرق ما فيه ، ولو اكتفينا بهذه المزية لكان فيها كفاية ، لأنه أي مماثلة لجهة ، أكثر ما فيها بحار ملح غامرة ، بجهة كلها أقاليم ممتدة ، عامرة بالمدن والقرى ، والثمار والزروع ، والأناسي والدواب ، يسافرها المسافر كيف شاء ، ويضطرب فيها حيث أراد ! ! ! ؟ وكيف تسوى بلاد جنوبها الهند ، وهم من أهل العلم والحكمة ، مع صفاء الألوان ، وحسن الصور ، وكمال التخطيط ، يعمّ الأرض طيبه ، وينفحها أرجه « 3 » ، ويداوي مرضاها عقاقيره ، ويصلح أغذيتها أفاويهه « 4 » ، ويزيّن أسرّة ملوكها جوهره - ببلاد جنوبها حثالة السودان المحترقة ألوانهم ، المشوّهة صورهم ،

--> ( 1 ) رساتيق جمع رستاق ، وهو فارسي معرّب ، وقال ابن السكيت : رسداق ورزداق . ولا تقل رستاق . وهو البيوت المجتمعة . لسان العرب وتاج العروس ( رستق ) ( 2 ) انظر مقدمة كتاب الجغرافية لابن سعيد ص 53 ، وفيه أيضا تشبيه الأقاليم بطائر ضخم الحجم تمثل الهند والصين رأسه ، وسورية والعراق ومصر صدره ، والمغرب بمثابة الذيل . ( 3 ) أرجه من الأرج - براء مفتوحة - والأريج توهج ريح الطيب . القاموس المحيط مادة ( أرج ) . ( 4 ) أفاويهه : الأفواه : التوابل ، ونوافح الطيب ، وألوان النور وضروبه . . . الواحد فوه بوزن سوق ، وجمعها أفواه ، وجمع الجمع أفاويه ، وفاهاه . القاموس المحيط ( فوه ) .