أحمد بن يحيى العمري
116
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
القدماء ، ولكن لأهل الأندلس لطائف دقت عن تلك الأفهام ورقت عن مزاج ذلك الكلام ، وإن كان من المشرق أصل ما عندهم من الأدب : [ البسيط ] ففي السّلافة معنى ليس في العنب « 1 » فلقد لطفوا مسالك الأدب ، وأفادوا شرف الحضارة محاسن العرب ، وقلبوا الأعيان وسحروا الألباب بالبيان ، فجاؤوا بأعجب العجب ، وزادوا بحسن السبك خالص الذهب ، وإن كان الشرق قد أنتج من طبقة أهل الأندلس من لا تحجم به المفاخر ، ولا تحجب به المفاخر ، ولكن للأندلسيين لطائف أعلق بالقلوب ، وأدخل على النفوس في كل أسلوب . [ العلوم العقلية ] وأما العلوم العقلية كالطبيعي والرياضي والإلهي « 2 » فلا نزاع في تقدم أهل المشرق فيها ، وإن كان قد نشأ له بالغرب أناس ، وبرقت له في الأندلس على عهد الحكم بن هشام « 3 » لامعة ، فالشرق فيه ( ص 36 ) لا يكابر ولا يكاثر ، ولا يناضل
--> ( 303 ه ) أقام بالبادية يقتبس اللغة والأخبار ، وكان من أذكياء عصره ، بلغ الذروة في النظم ، وأربى على المتقدمين ، وانتشر شعره في الآفاق ، مدح سيف الدولة ملك الشام ، وكافورا صاحب مصر ، وعضد الدولة ملك فارس والعراق ، كان فارسا ، قيل تنبأ ببادية السماوة ، فأسره أمير حمص بعد قتال ، ثم تاب ، نال بشعره مالا كثيرا ، أخذ عند النعمانية ، بليدة بين واسط وبغداد فقاتل وقتل هو وولده وفتاه سنة ( 354 ه ) كان معجبا بنفسه . انظر سير أعلام النبلاء 16 / 199 - 201 . ( 1 ) السّلاف : بضم السين وتشديدها ما سال من عصير العنب قبل أن يعصر . ويسمى الخمر سلافا . وسلافة كل شيء عصارة أوله . انظر لسان العرب والقاموس المحيط مادة ( سلف ) . ( 2 ) انظر الفهرست لابن النديم 342 و 493 وما بعدها و 371 و 32 ، والعلوم عند العرب لقدري طوقان ، والإسلام والحضارة العربية للأستاذ محمد كرد علي ، وحضارة العرب للدكتور غوستافلوبون ، والعلم عند العرب وأثره في تطور العلم العالمي ل ( ألدو ميلي ) الإيطالي ، وفضل العرب على أوروبا للعالمة الألمانية د . سيجريد هونكه . . ( 3 ) الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل صاحب الأندلس ولد بقرطبة سنة ( 154 ه ) . أول من جعل للملك أبهة ، وأول من جنّد الأجناد ، ومهد الملك لعقبه في الأندلس ، كان شجاعا مقداما