أحمد بن يحيى العمري
105
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
وأما قوله : ( والأغلب على المشارقة التغاضي وترك الحقد وقلة المؤاخذة على الأقوال والأفعال ، ولكن تحت ذلك من ( ص 29 ) المسامحة في القول والإخلاف بالوعد ، وقلة المبالاة والارتباط ، ونبذ الحقوق ومراعاة الأخلاق الإنسانية ما يقطع النفس حسرات ) « 1 » . فأول هذا القول صحيح لا شك فيه إن عندهم التغاضي وترك الحقد ، وقلة المؤاخذة . وهذا دليل رزانة حلومهم ، وكرم شيمهم ، ومؤاخذة الآباء للأبناء بحسن التخلق بأخلاق الكرماء ، والتأدب بآداب الآباء والعظماء حتى صار هذا طبعا لهم ، يتوارثه منهم خلف عن سلف . [ ما فعله يوسف بن تاشفين مع بني عباد ملوك الأندلس ] وأما آخر هذا الكلام فهو غير مسلّم والدليل عليه سير الخلفاء والملوك في الأفقين ، وما يعجبني من حسن وفاء المغاربة إلا ما فعله يوسف بن تاشفين « 2 » ملك المغرب وبرّ العدوة مع بني عباد ملوك الأندلس فإنهم أدخلوه إلى بلادهم ، وبذلوا له الطاعة ، وقدموا إليه نفائس الأموال ، وأخدموه البنين والبنات . فكافأهم
--> ( 1 ) مما ذكره عن ابن سعيد في ص 102 . ( 2 ) يوسف بن تاشفين : هو أمير المسلمين السلطان أبو يعقوب البربري الملثم قال الذهبي : صاحب الغرب ، ويعرف بأمير المرابطين ، وهو الذي بنى مراكش وصيرها دار ملكه ، وقد ظهر مع أبي بكر ابن عمر اللمتوني ، الذي استولى على بلاد المغرب من تلمسان إلى طرف الدنيا الغربي ، واستناب ابن تاشفين ، فطلع بطلا شجاعا عادلا مهيبا ، اختط مراكش سنة ( 465 ) اشترى أرضها بماله الذي خرج من صحراء السودان . . وكثرت جيوشه ، وخافته الملوك ، وثار الفرنج بالأندلس ، فعبر ابن تاشفين وأنجد المسلمين فطحن العدو في وقعة الزلاقة - غرب الأندلس - سنة 479 ، وأعجبته الأندلس فاستولى عليها وأخذ ابن عباد وسجنه ، وأساء العشرة . كان كثير العفو مقربا للعلماء ، تملك بضعا وثلاثين سنة ، كان هو وجيشه ملازمين لثام الوجه ، فيهم شجاعة وعسف وعتو : مات في أول سنة ( 500 ) وله بضع وثمانون سنة ، وتملك مدائن كبارا في الأندلس وبالعدوة ، ولو سار لتملك مصر والشام . شمل سلطانه المغربين الأقصى والأوسط وجزيرة الأندلس . انظر سير أعلام النبلاء 19 / 252 - 254 وهوامشها . و 19 / 62 وما بعدها .