أحمد بن يحيى العمري
493
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
إليها ، وخيرها المواضع ، فاختارت موضع الإسكندرية ، وقسمت المدينة وصورها المهندسون ، ثم عرفته ذلك ، فأجاب إلى كل ما طلبت ، وسار بجيشه فنزل على ذلك الموضع ، وشرع في البناء ، فكان كلما بنى بناء خرجت دواب البحر وعبثت به ، وهدمته ، فأقام زمانا ، ونفذت الأموال ، وضاق ذرعا فوفق له أن دل على بعض السحرة ، فأحضره وشكا إليه ذلك الأمر ، فوضع له طلسمات ، وجعلها في آنية زجاج كالتوابيت فكانت في الماء حذاء ( المخطوط 245 ) الأبنية ، فإذا جاءت دواب البحر فرأت الطلسمات والتوابيت نفرت فثبت البناء ، وبنيت المدينة ، وتمت بعد زمان طويل ، ثم راسلها في المسير ، فسارت بجميع قللها وعساكرها حتى نزلت حذاء ، عسكره ، وراسلته أنى قد أحببت أنى أحمل عنك مؤنة الإنفاق على العسكريين في أطعمة تصلح وأشربة ، وقد أعددت لوجود الأمراء والقواد خلعا وتحفا حملا عنك لكرمك في بناء المدينة ، فأحب أن تجيبني إلى ذلك ، فأجابها ، وأمرت بذلك ، فعمل وأنفذت إليه : أنا أحب أن أراك وأرى سائر عسكرك في الميدان يلعبون ضروب اللعب ، ويكون متصرفكم بعد ذلك إليّ لحضور الطعام والخلع ، فأجابها ، وتقدم بركوب الجيش وحمل السلاح واللعب ، فلما فعل واشتد عرق القوم ، انصرفوا إليها جميعا ، فتلقاهم أصحابها بالخلع المسمومة ؛ فلبسها وجوه العسكر ، ولبس الملك جبير خلعته ، وكانت أقل سما من غيرها إبقاء عليه لتبقى فيه بقية لخطأ بها ، فما أقاموا إلا ساعة بالخلع حتى طفئوا وماتوا : ورأى ذلك بقية العسكر ، فعلموا موضع الحيلة ، فبادروا مستأمنين فنودي فيهم بالأمان ، وبقي الملك بقية من الحياة ، فأمرت أنه يحمل إليها فلما رأته في السياق قالت له : إن ملكا أنفق ماله وأفنى زمانه ، ونزل ملكه ، وجاء شهوة لا يدري أينالها ، ولملك سخيف ، وكان آخر كلامها بخروج روحه ، فمات ، ودخلت هي المدينة ، وأقامت بها زمانا ، وعادت إلى مصر .