أحمد بن يحيى العمري

405

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

القسطنطينية ، ويدخل مسورها والتجار والسفارة من سائر الأقطار من المسلمين والنصارى وغيرهم ، يأتي إليها وينزل بها ، ويبيع ويشتري فيها ، ولا حرج عليهم ولا تضييق . والمسلمون فيها على جانب أعزاز وإكرام ، فيها سكان من المسلمين يسكنونها إلى اليوم ، لا يمسهم ولله الحمد ذل ولا هوان ، ولهم مساجد وأئمة تصلي بهم الجماعة ، فتظاهر فيها بشعائر الإسلام ، وللملك اهتمام بكف الأذية عنهم ، وإذا شكى المسلم إليه على أحد من النصارى ، ولو أنه من عظماء البطارقة ، أشكاه وأنصفه منه ، ولا اضطهاد ، ولا ضيم في جميع مملكة هذا الملك عليهم ولو تغيرت الملوك ، واختلفت الأحوال ، لا يقدر الملك على تغيير حاله في هذا ، ولا مخالفة لمن تقدمه فيه لأنها عادة تدين بها ملوكهم ، وسارت بها في ملوك النصرانية سيرهم ، فلو عدل الملك عنها ، لمنعه البطريرك ، وو آخذه به وآخذه بالرجوع إلى عادة أسلافه ، واشتد في منعه ، فإن رجع ، وإلا كان السبب بتحريمه ، فإن رجع ، وإن كان السبب لخلعه . والروم أسخى من جميع الطوائف النصرانية ، واسمك في الكرماء نفوسا ، وأمسك ناموسا ، ومع هذا فما فيهم من يداني العرب في كرم ، ولا يقاربهم في جود ، والشح غريزة في طباع النصارى ، لا ينفق إلا فيما ( المخطوط ص 193 ) يتنغم به ، فينفقه في اللهو والطرب ، والنخوة فيهم قليلة ، وهذه جملة ما ذكروه من أخبارهم ، وفهم من كلامهم . ومما أقوله أن أول دليل على عظم القسطنطينية ومالها من الممدود غزوة هارون الرشيد إياها سنة خمس وستين ومائة ، كان أبوه المهدي قد وجهه إليها وهو إذ ذاك ولي عهد أبيه المهدي ، فخرج يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة [ 1 ] غازيا إلى بلاد الروم ، وضم إليه المهدي الربيع مولاه ، فتوغل هارون الرشيد