أحمد بن يحيى العمري
399
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
ولا اقتباسه إلا مما تتوقد ناره في كأس أو يقتدح من أقداح ما منهم راكب جواد إلا اللذة ، ولا صاحب جهاد إلا في فرصة مستلذة ، ولا عوال تلعلع أسنتها غير الشمع ، ولا عويل إلا مما يتخير من مآقى الغيد من الدمع . قال بلبان : وطوائف الروم لا معروفة لهم بامتطاء البحر ولا عادة بركوب السفن ، وأبعد سيارتهم فيه إلى مواضع النزهة ، وإنما هم أصحاب خيل ، ولا تعد خيالهم في جياد الخيل وإنما يجلب إليهم كرائمها ( المخطوط ص 187 ) من بلاد الأتراك من قاطع الخليج ، وإنما هم بغال تباع بغال . ولهم تجمل دبر في الملابس والمراكب والفروش ، وفي أهلها الجمال البديع والكمال التام ، وفي المثل وجوه الترك وأجسام الروم وظرف العرب . قال : فأما منابت القسطنطينية فكلها أرض جيدة صالحة للزروع والثمار ، ولها نهر متوسط المقدار ، عليه مساقي زرع وأشجار والأرزاق بها كثيرة الوجود والرطل القسطنطين نظير الرطل المصري وكيل الطعام بها المسمى مدني ، وهو حمل جمل يكون أردبين ونصف بالمصري ، وبه يباع الغلال الكثيرة ، فأما القليل منها ، فيباع بالرطل . قال : وهذا الملك لا يفارق مجلسه الطرب ، ويضرب له بالآلة المعروفة بالأرغل [ 1 ] وهي ذات وضع عجيب وألحان غريبة مطربة تأخذ بمجامع القلب ، قلت : وقد رأيت هذا الأرغل بدمشق ثم بالقاهرة فقلت هذا للضارب به ، فقال لي : هذا أرغل صغير يفكك ويحمل وما معه أصوات تسير له الضرب ، والذي يضرب به لملوك الروم البحر الكبير مستقر في مكان لا يزايله ، وله عدة من أصحاب الأنغام المطربة ، تسير له ، وله بذلك رونق لا يكون في مثل هذا ، وصورة الأرغل خشب مركب ، وله بكر نحاس وأوتار شريط نحاس ، ونحر بمثل كور الصائغ ، ونغمه شبيه