أحمد بن يحيى العمري

394

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

الزمان ، وأظهر ما كان يسره من هذا الأمر ، وباح به وهم وما فعل ، فبلغ ذلك أبا سيعد بهادر خان سلطان ذلك الوقت ، فعتب على أبيه جوبان ، فقرأ جوبان من فعل ولده تمرتاش ، ونهض إليه في وقت شتاء لا طاقة لأحد بسلوكه ، وقطع إلى الروم كل جبل ثلج نزل عنه النظر ، وأراد تمرتاش أن يضرب معه مصافا ، فلاطفه أبوه ، وراسله حتى كف وأذعن ، وأخذه أبوه وأحضره إلى الأردو في هيئة المأسور المقهور . وجوبان يظهر هذا ، ويسر خلافة ، ويبطن مخادعة السلطان أبي سعيد في أمره ، فلما مثل تمرتاش بين يديه ، فك إساره ، وخلع عليه وتركه بالأردو مدة ، ثم أعاده إلى الروم على ما كان عليه ، وزاد في تخويله والتنويه بقدره . ثم لما آن لدولة جوبان وبنيه الزوال ، وكان منهم ما كان قويت أمراء الأتراك بالروم ، وانتعشت قواهم ثم هم إلى الآن على هذا الحال على كثرة اضطراب أمر المغل وتفرق أهوائهم . في هذه المدد كلها مع هذا ما استطاع أحد من أمراء الأتراك إلى ( أن ) يلتفت إلى شيء مما بأيديهم من الروم ( المخطوط 183 ) لا ولا ارتجاع شيء مما كان تمرتاش بن جوبان قد أبان ملوكه وافتتحه واستضافه إلى ما بيده . وهذه جملة ما حمله مقدار هذا التأليف من أخبار الروم ، ما تضمنه مما دخل فيه بدلالة اللزوم ، وبالله نسترشد ونستهدي ، وعليه نتوكل وإليه ننسب . وأما ما هو بأيدي النصارى فقد قال بلبان الجنوي : أن ممالك الروم كلها تترامى إلى رومية ، موضع الباب ثم مملكة القسطنطينية ثم طرابزون . فأما مملكة طرابوزن [ 1 ] ، فهي من ممالك عباد الصليب مملكة جليلة القدر ، وعلى ساحل البحر على خرجة ماء ينطش ، وهي مملكة أخذت غربا بشرق على أطراف مملكة الأتراك في البر المتصل بنا ، وهي في جنوبي الروم ، دق طرفاها واتسع