أحمد بن يحيى العمري
301
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
أجارتنا إن الخطوب تنوب * وإني مقيم ما أقام عسيب أجارتنا إنا غريبان هاهنا [ 1 ] * وكل غريب للغريب نسيب وهذا الجبل يعلوه جبل أرجاش وهو الذي يضرب به الروم الأمثال لتساميه ، وتتضاءل الجبال في جميع الدنيا العالية ، لا تسحب ذيول السحاب إلا دون سفحه ، ولا يعرف شتاؤه من صيفه من ثلوجه ولا لهيال الأبخرة المتصعدة ، وعشاؤه من صبحه . فلما كان يوم الأربعاء منتصف ذي القعدة ، وهو يوم شرق الزهرة ، ركبت العساكر المنصورة مترتبة ، وملأت الفضاء ( المخطوط ص 147 ) متسربة ، فركب السلطان في زمرته ، ودوى أمره وإمرته ، يختال به جواده في أفسح ميدان ويصيح به مرحا وفرحا كأنه نشوان درى إنه سلطان . تظل ملوك الأرض خاشعة له * تفارقه هلكى وتلقاه سجدا وخرج أهل قيصرية وعلماؤها [ 2 ] وزهادها وتجارها ورعاياها ونساؤها وصغارها ، فأكرم السلطان ممساهم وشكر مسعاهم ، وتلقى قضاتهم وعلماؤهم ركبانا وحادثهم إنسانا إنسانا ، وحصلت لجماعة من الفقراء والناس حالات جد مضطربة [ 3 ] وصرخات ذكر معجبة ، وكان شعار السلطان غياث الدين صاحب الروم وخيامه ، وشعار سلطنته قد بقي جميعه في وطأة قريب الجوسق والبستان المعروف بكيخسرو ، فترجل الناس على اختلاف طبقاتهم في الركاب الشريف من ملك وأمير ومأمور ، وارتفعت الأصوات بالتهليل والتكبير ، ونزل السلطان في تلك المضارب ، وضربت نوبة بني سلجوق على باب دهليزه على العادة .