أحمد بن يحيى العمري

294

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

وأخذنا في اختراق غابات أشجار تخفى الرفيق عن رفيقه ، وتشغله عن افتقار طريقه ، حولها معاثر أحجار كأنها قبور تغيرت ، أو جبال تفطرت ، بينها مخائض لإبل مغائص كأنها بحار فجرت [ 1 ] ، ما خرجنا منها إلا إلى جبال قد تمنطقت بالجداول ، وتيممت بالثلوج ، وعميت مسالكها فلا أحد إلا وهو قائل ، فهو إلى خروج من سبيل أو إلى سبيل من خروج ، تضيق مناهجها بمشي الواحد وتلتف شجراتها التفات ( المخطوط ص 141 ) الأكمام بالساعدة ذات أوعار زلقة ، وصدور شرقة ، وأودية بالمزدحمين مختنقة . حتى وصلنا إلى الحدث الحمراء المسمى الآن بكينوك ومعناها المحترقة ، كان قسطنطين والد صاحب سيس [ 2 ] قد أخذها من أصحاب الروم ، وأحرقها وتملكها ، وعم بها الضرر لبلاد الإسلام ، سيّر السلطان إليها عسكرا من حلب ، فافتتحها بالسيف ، وقتل كل من بها من الرجال وسبى الحريم والذرية ، وخربت من ذلك الحين ، وما بقي منها من يكاد يبين . وشاهدنا منها ما بناه سيف الدولة بن حمدان [ 3 ] ، فالقنا يقرع بالقنا ، وموج المنايا تتلاطم ، وقيل لسلطاننا هناك على قدر أهل العزم تأتي العزائم [ 4 ] ، غضب الدهر والملوك عليها فبناها في وجنة الدهر خالا . فبتنا بها وجيادنا إذا زلفت مشت كالأراقم على البطون ، وإن تكاسلت جر بعضها بعضا بالصهيل والحديث شجون ، وخضنا في أثناء ذلك مخائض سواقع ،