أحمد بن يحيى العمري

276

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

يبق أحد منهم ، وبقي مدة لم يحضر أحدا إلى صلاح الدين ، فقال له : لأي شيء ما عدت جبت « 1 » لنا أحدا ؟ فقال : والله يا مولاي ما بقي أحد يقدر على هذا مثلنا ، فلما تحقق صلاح الدين في ذلك ، أسرها في نفسه ، ثم جمعهم ، وأوقف خلف كل رجل منهم رجلا ، وأومأ إليه ، فضربوا رقاب أولئك النفر ، لأن صلاح الدين لما رأى ذلك [ 1 ] . فزع منهم على نفسه ، وخاف إن هو قتله وجده ، يبقى وراءه من يفعل مثل فعله ، فاحتال عليهم بذلك لئلا ينزل عليه أحدهم فيقتله به . وأما ما يروى من مشى هذه الطائفة على الحبال المنصوبة ، على قامات من الأرض ، وانقلابهم عليها في الهواء ، حتى يصير رأس الرجل منهم منكوسا إلى الأرض ، ورجله متعلقة بالحبل ثم يستوى على قامته ، ثم يمشي على الحبل بالقبقاب ، ويلعب فوقها بالمخاريق ، ما تحار له الألباب ، ويحاك فيه نوادر العجب العجاب ، وإن نساءهم يفعلن « 2 » ، وتركضها أشد مركض ، ثم تطيح عنها في قوة جريها إلى الأرض ثم تثب عليها فيستوى على ظهرها ، ثم تصير حزاما لبطنها ، ثم تنزل صهوة الفرس ، وتعنق العنق تارة من أعلاها وتارة من تلقاء صدرها إلى غير ذلك من عجائب الأفعال وغرائب الخفة في المجال . ودأب من هو منهم في الشام أحد ما قدروا عليه ووصلت أيديهم إليه ، وقد عرف صبرهم على الضرب ، فما بقي يضرب ، أحد منهم إذا اتهم بل يحلف بستر الله ويقسم عليه به ، فيقر ، ويعترف ، ويرد ما أخذه ، ويقول : نحن نأخذ قبيح ، ونحن نرد مليح « 3 » .

--> ( 1 ) تجيب ب 126 . ( 2 ) مثل هذه الأفعال ، وتركب المرأة من هذه الطائفة الفرس . . . ب 126 . ( 3 ) نأخذ قبيحا ونرد مليحا ب 126 .