ابراهيم رفعت باشا

88

مرآة الحرمين

رأسه ليصيب طرف رحله وهو يقول : أيها الناس عليكم السكينة فان البرليس بالإيضاع أي ليس بالإسراع ، وأفاض من طريق المأزمين « 1 » ودخل عرفة من طريق ضب وهكذا كانت عادته صلوات اللّه وسلامه عليه في الأعياد أن يخالف الطريق ثم جعل يسير العنق وهو ضرب من السير ليس بالسريع ولا البطىء فإذا وجد فجوة وهو المتسع نصّ سيره أي رفعه فوق ذلك وكلما أتى ربوة « 2 » من تلك الربا أرخى للناقة زمامها قليلا حتى تصعد وكان يلبّى في مسيره ذلك لا يقطع التلبية ، فلما كان في أثناء الطريق نزل صلوات اللّه وسلامه عليه فبال وتوضأ وضوءا خفيفا فقال له أسامة : الصلاة يا رسول اللّه فقال : المصلى أمامك ، ثم سار حتى أتى المزدلفة « 3 » فتوضأ وضوء الصلاة ثم أمر المؤذن بالأذان فأذن المؤذن ثم أقام فصلى المغرب قبل حط الرحال وتبريك الجمال ، فلما حطوا رحالهم أمر فأقيمت الصلاة ثم صلى العشاء الآخرة بإقامة بلا أذان ولم يصل بينهما شيئا ، وقد روى أنه صلاهما بأذانين وإقامتين ، وروى بإقامتين بلا أذان ، والصحيح أنه صلاهما بأذان وإقامتين ، كما فعل بعرفة ثم نام حتى أصبح ولم يحى تلك الليلة ولا صح عنه في إحياء ليلتي العيدين شئ ، وأذن في تلك الليلة لضعفة أهله أن يتقدّموا إلى منى قبل طلوع الفجر وكان ذلك عند غيبوبة القمر وأمرهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس ، فلما طلع الفجر صلاها في أوّل الوقت لا قبله قطعا بأذان وإقامة يوم النحر وهو يوم العيد وهو يوم الحج الأكبر وهو يوم الأذان ببراءة من اللّه ورسوله من كل مشرك ، ثم ركب حتى أتى موقفه عند المشعر « 4 » الحرام فاستقبل القبلة وأخذ في الدعاء والتضرّع والتكبير والتهليل والذكر حتى أسفر جدا وذلك قبل طلوع الشمس وهنالك سأله عروة بن مضرّس الطائي فقال يا رسول اللّه :

--> ( 1 ) هو الطريق الذي يسلكه الناس اليوم وهو أطول من طريق ضب الذي في جنوبيه على يمين السالك نحو عرفة . ( 2 ) مكانا عاليا . ( 3 ) المزدلفة : هو الوادي الواسع الذي بين المأزمين من جهة عرفة وبين وادى محسّر الضيق من جهة مكة ويمتدّ على طول 3812 متر . ( 4 ) المشعر الحرام في المزدلفة على بعد 2548 متر من أوّلها من جهة المحسر عند الجبل المعروف بقزح .