ابراهيم رفعت باشا
81
مرآة الحرمين
لقولهم ولا دلالة لهم فيها عمرتها إما أن تكون قضاء للعمرة المرفوضة عند من يقول : إنها رفضتها فهي واجبة قضاء لها أو تكون زيادة محضة وتطييبا لقلبها عند من يقول : إنها كانت قارنة وإن طوافها وسعيها أجزأها عن حجها وعمرتها . ولنعد إلى سياق حجه صلى اللّه عليه وسلم . فلما كان بسرف قال لأصحابه : من لم يكن معه هدى فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل ومن كان معه هدى فلا ، وهذه رتبة أخرى فوق رتبة التخيير عند الميقات ، فلما كان بمكة أمر أمرا حتما من لا هدى معه أن يجعلها عمرة ويحل من إحرامه ومن معه هدى أن يقيم على إحرامه ولم ينسخ ذلك شئ البتة ، بل سأله سراقة بن مالك عن هذه العمرة التي أمرهم بالفسخ إليها هل هي لعامهم ذلك أو للأبد ؟ قال : بل للأبد ، وإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة وقد روى عنه صلى اللّه عليه وسلم الأمر بفسخ الحج إلى العمرة أربعة عشر صحابيا وأحاديثهم كلها صحاح ( انظر الأحاديث وأعذار المخالفين والرد عليها في زاد المعاد من ص 209 إلى 225 ج ا ) . ثم نهض صلى اللّه عليه وسلم إلى أن نزل بذى طوى « 1 » وهي المعروفة الآن بآبار الزاهر فبات بها ليلة الأحد لأربع خلون من ذي الحجة وصلى بها الصبح ثم اغتسل من يومه ونهض إلى مكة فدخلها من أعلاها من الثّنية « 2 » العليا التي تشرف على الحجون « 3 » ، وكان في العمرة يدخل من أسفلها ، وفي الحج دخل من أعلاها وخرج من أسفلها ثم سار حتى دخل المسجد وذلك ضحى ، وذكر الطبراني أنه دخله من باب بنى عبد مناف الذي يسميه الناس اليوم باب بنى شيبة « 4 » أو باب السلام ثم استقبل البيت ودعا ، وذكر الطبراني : أنه كان إذا نظر إلى البيت قال : اللهم زد بيتك هذا تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة ، وروى عنه أنه كان عند رؤيته يرفع يديه ويكبر ويقول : اللهم أنت السلام
--> ( 1 ) ذو طوى : موضع غربىّ مكة على مقربة منها . ( 2 ) الثنية في الجبل : كل عقبة مسلوكة أو هي الطريق العالي فيه . ( 3 ) الحجون : جبل بأعلى مكة مشرف على مقبرتها وتسمى المقبرة : الحجون . ( 4 ) انظر صورته شرقي الكعبة في ( الرسم 58 ) .