ابراهيم رفعت باشا

75

مرآة الحرمين

والآثار الجمة وكذلك منى وعرفة والمزدلفة والطائف ونلم بتاريخها إلماما حتى تكون على بينة من أمرها وخبيرا بما قام به سلفنا الصالح في الحرم الذي جعله اللّه مثابة للناس وأمنا ونقدّم لك بين يدي ذلك القسم الديني من رحلتنا في الحج ومناسكه ووصف لبلاد العرب وموجز في تاريخها وفي سير الفتوحات الإسلامية وانتشار الدين في ربوع المعمورة . القسم الديني قد رأينا أن نسوق إليك أيها القارئ حجته صلى اللّه عليه وسلم ثم نردفها بالأحكام الفقهية في شرائع الحج حسب ما سطر في كتب المذاهب المختلفة ، وإنما قدّمنا حجته صلى اللّه عليه وسلم لأنها السراج الوهاج الذي اقتبس منه الفقهاء ولأنها الحكم عند اختلاف الآراء فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً وقد اعتمدنا في ذلك على ما كتبه الإمام ابن القيم المتوفى سنة 751 ه في كتابه « زاد المعاد في هدى خير العباد » فإنه خير ما كتب في هذا الموضوع على ما علمنا . حجة الوداع - لا خلاف أنه صلى اللّه عليه وسلم لم يحج بعد هجرته إلى المدينة سوى حجة واحدة وهي حجة الوداع ولا خلاف أنها كانت سنة عشر . واختلف هل حج قبل الهجرة ، فروى الترمذي عن جابر بن عبد اللّه رضى اللّه عنه قال : حج النبي صلى اللّه عليه وسلم ثلاث حجج حجتين قبل أن يهاجر وحجة بعد ما هاجر معها عمرة ، قال الترمذي : هذا حديث غريب - تفرّد به راو واحد - من حديث سفيان قال : وسألت محمدا يعنى البخاري عن هذا فلم يعرفه من حديث الثوري ، وفي رواية لا يعدّ هذا الحديث محفوظا . ولما نزل فرض الحج بادر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى الحج من غير تأخير فان فرض الحج تأخر إلى سنة تسع أو عشر وأما قوله تعالى وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فإنها وإن نزلت سنة ست غام الحديبية فليس فيها فريضة الحج وإنما فيها الأمر بإتمامه وإتمام العمرة بعد الشروع فيهما وذلك لا يقتضى وجوب الابتداء .