ابراهيم رفعت باشا
64
مرآة الحرمين
إلى شرائها بأثمان ظنوها متناسبة مع أهمية المركز وثروة حجاجه ، ولكن كثيرا منهم خسر في ذلك خسارة فادحة إذ دفعوا في الأقسام أثمانا باهظة بلغت الخمسين جنيها وزادت ، ولما حان الموسم لم يحصلوا مقدار ما دفعوا ولكن قليلا منهم سعد جده فزبح أرباحا عظيمة ، وقد نشأت خسارة من خسر من علو ثمن الأقسام ومن أنه كان سافر إلى بعض الجهات وأنفق في ذلك وفي الهدايا التي كان يأخذها لمريدى الحج النفقات الطائلة ثم ظهر بعد ذلك أن كثيرا منهم لم يأت في القسم الذي اشتراه ، ولما رأى بعض المطوّفين أن حجاج قسمه فقراء وما يدفعونه بخس اشتد عليهم وأغلظ لهم القول وحصل من جراء ذلك تشاحن وتساب بين الفريقين . وكانت العادة المتبعة قبل هذا التقسيم أنه يجبى من كل مطوف ريال للشريف عن كل حاج ينزل عنده وبالضرورة يأخذ المطوف من الحاج أمثال هذه الضريبة ولو كان في فقر مدقع ، وان كانت لديه شفقة تجاوز عنه وحصل أضعافه من الموسرين ، والشريف لا يقيل أي مطوّف من الضريبة مهما قدّم من الأعذار فأما أن يدفع وأما أن يزج به في غيابة السجن وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ . دولة الشريف عون الرفيق وسلطته بمكة يلقب شريف مكة بسيد الجميع تمييزا له عن بقية الأشراف وهو الحاكم الذي لا ينازع في أمر ولا يرد له قول ينفى من شاء ويحبس من شاء ويعاقب من شاء بيده عقد الأمور وحلها وكل الحكام بمكة طوع إشارته من كبيرهم أحمد راتب باشا المشير إلى صغيرهم ، فان عارضه واحد منهم عزل في الحال لأن الشريف له يد قوية في الدولة فأي الأمور طلب أجيب اليه بل غالب الشكايات منه ترد اليه ليفصل فيها بما شاء من شرع أوهوى ولا معقب لحكمه فالويل كل الويل لمن شكا ، نعم هذه اليد المستبدة تناسب حال الأعراب الأشرار الذين لا ترغمهم إلا القوة ولا يقوّمهم إلا البطش بهم ، ولكن لو ضمت إلى القوّة العدالة لكبح الأشرار عن سيئاتهم