ابراهيم رفعت باشا

309

مرآة الحرمين

أيا جارتي بيني فإنك طالقه * كذاك أمور الناس غاد وطارقه وبيني فقد فارقت غير ذميمة * وموموقة منا كما أنت وامقه « 1 » وبيني فان البين خير من العصا * وأن لا ترى لي فوق رأسك بارقه وكان من عادة الحمس إذا أحرموا أن لا يأتقطوا الأقط « 2 » ولا يأكلوا السمن ولا يسلوه - لا يطبخوه ولا يعالجوه - ولا يمخضوا اللبن ولا يأكلوا الزبد ولا يلبسوا الوبر ولا الشعر ولا يغزلوه أو ينسجوه أو يستظلوا به ما داموا حرما ، وما كانوا كذلك يأكلون شيئا من نبات الحرم ، وكانوا يعظمون الأشهر الحرم ولا يخفرون فيها الذمة ولا يظلمون ، وكانوا يطوفون بالبيت عليهم لباسهم ، وكانوا إذا أحرم الرجل منهم في الجاهلية وأوّل الاسلام فإن كان من أهل البيوت نقب نقبا في ظهر بيته فمنه يدخل ومنه يخرج ، وما زالوا كذلك حتى بعث اللّه نبيه محمدا صلى اللّه عليه وسلم فأحرم عام الحديبية ، فدخل بيته وكان معه رجل من الأنصار فوقف الأنصاري بالباب فقال له ألا تدخل ؟ فقال الأنصاري : إني أحمسىّ يا رسول اللّه ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأنا أحمسى ديني ودينك سواء ، فدخل الأنصاري مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الباب ، وفي ذلك نزل قوله تعالى : ( وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) وقال الحمس لأنفسهم : لا تعظموا شيئا من الحل كما تعظمون الحرم فإنكم إن فعلتم ذلك استخفت العرب بحرمكم ، وقالوا : قد عظموا من الحل مثل ما عظموا من الحرم فتركوا الوقوف على عرفة والإفاضة منها وجعلوا موقفهم بطرف الحرم من جهة نمرة يظلون به عشية عرفة ويفيضون منه إلى المزدلفة ، فإذا عمت الشمس رؤوس الجبال وقفوا وكانوا يقولون : نحن أهل الحرم لا نخرج من الحرم ونحن الحمس ، فعلوا ذلك وأقروا سائر العرب على الوقوف بعرفة والإفاضة منها وتلك شريعة إبراهيم يعرفونها حق المعرفة ولكن ترفعهم ومغالاتهم تنكب بهم عن سبيلها ، فشرعوا لهم من

--> ( 1 ) ومقه : أحبه . ( 2 ) ططام يتخذ من المخيض الفتحى يطبخ ثم يترك حتى يمصل أي يخرج ماؤه ، والاقط مثلثه ويحرك ككتف ورجل وإبل .