ابراهيم رفعت باشا
272
مرآة الحرمين
الحصين بن نمير بعد أن نعى له يزيد بن معاوية - رأى ابن الزبير ان يهدم الكعبة ويبنيها ، فوافقه على ذلك نفر قليل وكره ذلك كثيرون منهم ابن عباس رضى اللّه عنهما ، ولما أجمع على هدمها خرج كثير من أهل مكة إلى منى خشية أن يصيبهم عذاب ، وأمر ابن الزبير رضى اللّه عنهما جماعة من الحبشة فهدموها واختار هؤلاء رجاء أن يكون فيهم الحبشي الذي أخبر النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه يهدمها - روى الشيخان عن أبي هريرة رضى اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم « يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة » وفي رواية البخاري عن ابن عباس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم « كأني به أسودا أفحج « 1 » يقلعها حجرا حجرا » فهدمت الكعبة كلها حتى بلغت الأرض وكان يوم السبت منتصف جمادى الآخرة سنة 64 ه . وبناها على قواعد إبراهيم وأدخل فيها ما أخرجته قريش منها في الحجر اعتمادا على الحديث الذي أخبرته به خالته عائشة وسيأتي ، وزاد في طولها على بناء قريش نظير مازادته قريش في طولها على بناء الخليل وذلك تسعة أذرع ، فصار ارتفاعها سبعة وعشرين ذراعا وهي سبعة وعشرون مدما كا ، وجعل لها بابين لا صقين بالأرض أحدهما بابها الموجود اليوم ، والآخر مقابل له مسدود ، وجعل فيها ثلاث دعائم في صف واحد وجعل لها مدرّجا في زاويتها العراقية من الداخل يصعد عليه إلى ظهرها ، وجعل لها ميزابا على سطحها يصب في الحجر ، وجعل فيها روازن توضع فيها المصابيح ، ولما فرغ من بنائها خلقها بالطيب ظاهرا وباطنا وكان يجمرها كل يوم برطل من العود وفي يوم الجمعة برطلين ، وقد بقيت حجارة فرشها في المطاف . وأما بناء الحجاج للكعبة فثابت مشهور ، وذلك أن الحجاج بعد محاصرته ابن الزبير وقتله له كتب إلى عبد الملك بن مروان يخبره أن ابن الزبير زاد في الكعبة ما ليس منها وأحدث فيها بابا آخر واستأذنه في ردّ ذلك إلى ما كان عليه في الجاهلية ، فكتب اليه عبد الملك أن يسدّ بابها الغربى ويهدم ما زاده بن الزبير من الحجر ويكبسها « 2 » به
--> ( 1 ) الفحج في المشي تباعد العقبين وتدانى صدور القدمين . ( 2 ) في القاموس كبس البئر والنهر يكبسهما طمهما بالتراب ، ولعل المعنى هنا يبنيها به أو يبلطها .