ابراهيم رفعت باشا

218

مرآة الحرمين

وفي سنة 916 ه . عمر قانصوه الغورى آخر ملوك الجراكسة بمصر عين حنين حتى جرت وملأت بركة المعلى وبركة ماجن في درب اليمن من أسفل مكة ، وارتفق الناس بذلك ؛ وفي أوائل ملك الدولة العثمانية للأقطار الحجازية بطلت العيون لقلة الأمطار وتهدّمت القنوات وانقطعت عين حنين عن مكة ، وصار أهلها يستقون من آبار حولها يقال لها العسيلات في علو مكة قريبة من المنحنى ، ومن آبار في أسفل مكة يقال لها الزاهر في طريق التنعيم ، وكذلك انقطعت عين عرفات وتهدّمت قنواتها حتى كان الحجاج يحملون الماء إلى عرفات من الأمكنة النازحة ، وكان فقراء الحجاج لا يطلبون يوم عرفة غير الماء لعزته ، وكان بعض الأقوياء يستحضره من الأماكن النائية ليبيعه فيربح فيه الأرباح الطائلة ، قال العلامة قطب الدين الحنفي : وكنت يومئذ مراهقا في خدمة والدي رحمه اللّه وفرغ الماء الذي حملناه من مكة واشتريت قربة صغيرة جدّا يحملها الانسان بأصبعيه بدينار ذهبا ، والفقراء يضجون من العطش يطلبون من الماء ما يبلون به حلوقهم في ذلك اليوم الشريف ، فشرب أهلنا منها وتصدّقوا بباقي القربة على من كان مضطرا إليها من الفقراء ، ثم عطشنا جميعا عقب ذلك وجاء وقت الوقوف والناس في شدّة الظمأ يلهفون فأمطرت السماء وسالت السيول من فضل اللّه ورحمته والناس إذ ذاك واقفون تحت جبل الرحمة ، فصاروا يشربون من السيل تحت أرجلهم ويسقون دوابهم ، وحصل البكاء الشديد من الحجاج لما رأوا من رحمة اللّه بهم وإحسانه إليهم ، ثم صدرت الأوامر السلطانية السليمانية باصلاح عين مكة ( عين حنين ) وعين عرفات ، وعيّن للعيون ناظرا اسمه مصلح الدين مصطفى ، وكان مجاورا بمكة فبذل جهده في العمارة حتى جرت عين مكة ودخلتها وجرت من أسفلها إلى بركة ماجن ، وأصلح عين عرفات حتى صارت تملأ البرك بعرفات وكان ذلك في سنة 931 ه . ثم اشترى « مصلح الدين » عبيدا سودا وأجرى عليهم الأطعمة من خزائن السلطنة وأناط بهم خدمة العين وإخراج أتربتها من الدبول - جمع دبل وهو الجدول أي النهير - والقنوات ، ثم قلت الأمطار ويبست العيون ونزحت الآبار في سنين متعدّدة من سنة 965 ه . وما بعدها حتى كانت سنوات تقارب سنى يوسف