ابراهيم رفعت باشا

209

مرآة الحرمين

من الأقذار ، وأن دولة الشريف والوالي يصحبهما بعرفة الحراس الكثيرون فما عليهما لو جعلوا من أولئك حرّاسا على الحياض ؟ ولا يكلفهم ذلك فتيلا ولا نقيرا ، بل ماذا عليهما لو أقاما جنودا في ميدان عرفة الفسيح يحافظون على الأمن ويضربون على أيذى اللصوص الذين تفاقم شرهم يتربصون غرة من الحاج ليسلبوه ماله ومتاعه ؟ بل مما يضمن راحة الحجاج في ذلك الميدان أن يقسم إلى شوارع وحارات يوضع عليها أعلام ، فان الحجاج كثيرا ما يضلون خيامهم لسعة الميدان فإنه ميلان في ميلين تقريبا وذلك لا يكلف الحكومة إلا تخطيط الأرض ووضع أسماء الجهات بالخط العريض على رؤوس الشوارع وإنه لأمر يسير . ومما لا حظته أن ليس هناك بيوت خلاء فترى الناس يقضون الحاجة في الفضاء متدانين ومتباعدين فتتصاعد الروائح الكريهة ، فلو أقيمت بيوت أدب على مبعدة من الخيام وانضاف إلى ذلك العناية بالماء لكان الناس في صحة وهناء ، ومن الحسن جدا أن تغطي الحياض بغطاء من الصاج ويجعل فيها صنابير « حنفيات » فبذلك يجنّب الماء القذر ولا يغيره طول المكث ، وكذلك ينبغي أن يجعل للفتحات التي في مجرى العين أغطية حتى تمنع عن العين الأتربة واستقاء الناس وتطهرهم منها وغسل ثيابهم وأوانيهم ، وإن ما تنفقه الحكومة في تنظيف الحياض وترميمها في سنتين ليكفى عمل الأغطية والصنابير فيوفر عليها النفقات الطائلة التي تنفقها كل سنة . أهمية عين زبيدة - وبما أن عين زبيدة تعتبر كنهر يجرى على مسافة 40 كيلو مترا يستقى منه سكان البلد الحرام والحجيج الوافدون من جميع الأقطار بل وينبتون به المزروعات ويخطون منه البساتين ، كان من الواجب علينا أن نقدّم بين يديك نبذة تاريخية عن عين زبيدة خاصة والمياه بمكة عامة ، ومنها تعرف أن الاسلام امتزج حبه بلحوم المسلمين ودمائهم وأنه تأصل في نفوسهم وازع الخيرات والرحمة بقطّان الوادي المبارك كما تعرف أن الحج لم يفرضه اللّه عبثا - تعالى عن ذلك علوّا كبيرا - ولكن أنقذ به أمة في صحراء جرداء ومكن به الروابط بين المسلمين في جميع الأقطار : سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ .