ابراهيم رفعت باشا

150

مرآة الحرمين

وما كتبه عنهم مؤرّخو الأمم المتحضرة التي عاصرتهم واتصلت بهم كالمصريين والإغريق والروم والفرس . تلك الشعوب الثلاثة هي : ( 1 ) العرب البائدة - الذين عاصروا الكلدانيين القدماء ومنهم العمالقة بشمالي الجزيرة والشام ومصر ، وعاد بالأحقاف ، وثمود بالحجر ، وطسم وجديس باليمامة والأنباط بشمالي الجزيرة . هؤلاء العرب قد بادوا وانقطعت أخبارهم ، غير أنا نعلم من القرآن وبعض الآثار أنهم كانوا على حضارة راقية ولا سيما إذا اعتبرنا ما يروى عن مدينتهم ( إرم ذات العماد ) وقد بقي ذلك الجيل حتى غلبه على أمره جيل عربىّ ثان يعرف : ( 2 ) بالعرب القحطانية نسبة إلى جدّهم قحطان - والراجح أنهم نزحوا إلى جزيرة العرب من بعض جهات الفرات ، وكانت لهم باليمن دول اشتهرت منها « الدولة المعينية » والدولة السبئية » ( من حوالي 850 إلى 115 ق . م ) و « دولة حمير » و « التبابعة » ( 115 ق . م - 525 م ) وقد برعت العرب القحطانية في الزراعة لخصب أرضهم ، وفي التجارة لحسن موقع بلادهم من الوجهة الجغرافية ، فكانت عروض التجارة ترد إليهم من الشرق بطريق البحر ثم ينقلونها على ظهور الجمال إلى الشام ومصر . وبرعوا كذلك في الصناعة فدبغوا الجلود وطبعوا السيوف وصنعوا الرماح وغير ذلك . وكان لهم حكومات وملوك ومدن كبيرة منها ( مأرب ) و ( صنعاء ) وقصور فخمة ، منها : ( ناعط ) و ( غمدان ) وسدود عظيمة يستعان بها في خزن الماء الزائد عن الحاجة زمن المطر لينتفع به وقت الحاجة اليه كسدّ مأرب . هذا ولا يزال علماء الآثار من الأور بيين يجدّون في البحث عن آثار العرب القحطانية وربما أوضحوا في المستقبل ما غمض من تاريخهم . ولما ضعف شأن الدولة السبئية بعد القوّة وأهملت مرافق الزراعة والصناعة تصدع سدّ مأرب ثم انبثق فأهلك الحرث والنسل ، ولقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الحادث في سورة سبإ فقال لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ