ابراهيم رفعت باشا

138

مرآة الحرمين

حتى من الخواطر القبيحة ودفعه عنه وبراءته منه ، فأخذ الحصيات ورميها مع تكبير اللّه تعالى من هذا القبيل ، وإن حركة اليد المشيرة إلى البعد لتفيد في دفع الخواطر الشاغلة للقلب . . . والرجم بالحجارة بقصد الدلالة على السخط والتبري أو الإهانة معهود من الناس وله شواهد عند الأمم كرجم بني إسرائيل مع يشوع النبي ( يوشع عليه السلام ) لعجان بن زراح وأهله وماله من ناطق وصامت كما في 7 : 24 و 25 من سفر يشوع ، وكرجم النصارى لشجرة التين التي لعنها المسيح ، ورجم العرب في الجاهلية لقبر أبى رغال في المغمّس بين مكة والطائف لأنه كان يقود جيش أبرهة الحبشي إلى مكة لأجل هدم الكعبة حرسها اللّه تعالى . والعمدة في رمى الجمار ما تقدّم من قصد التعبد للّه تعالى وحده بما لاحظ للنفس فيه اتباعا لإبراهيم أقدم رسل اللّه الذين بقيت آثارهم في الأرض ، ومحمد خاتم رسل اللّه ومكمل دينه ومتممه الذي حفظ كله في الأرض صلى اللّه عليهم أجمعين . قال أبو حامد الغزالي رحمه اللّه تعالى في بيان أسرار الحج من الإحياء : « وأما رمى الجمار فليقصد به الانقياد للأمر إظهارا للرق والعبودية ، وانتهاضا لمجرد الامتثال من غير حظ للنفس والعقل في ذلك . ثم ليقصد به التشبه بإبراهيم عليه السلام حيث عرض له إبليس لعنه اللّه تعالى في ذلك الموضع ليدخل على حجه شبهة أو يفتنه بمعصية ، أمره اللّه عز وجل أن يرميه بالحجارة طردا له وقطعا لأمله . فان خطر لك أن الشيطان عرض له وشاهده فلذلك رماه وأما أنا فليس يعرض لي الشيطان ، فاعلم أن هذا الخاطر من الشيطان وأنه الذي ألقاه في قلبك ليفتر عزمك في الرمي ، ويخيل إليك أنه لا فائدة فيه ، وأنه يضاهى اللعب فلم تشتغل به ؟ فاطرده عن نفسك بالجد والتشمير في الرمي ، فبذلك ترغم أنف الشيطان . واعلم أنك في الظاهر ترمى الحصى في العقبة وفي الحقيقة ترمى به وجه الشيطان وتقصم به ظهره ، إذ لا يحصل إرغام أنفه إلا بامتثالك أمر اللّه سبحانه وتعالى تعظيما له بمجرد الأمر من غير حظ للنفس فيه » اه .