ابراهيم رفعت باشا
136
مرآة الحرمين
الحجر الأسود بما خصصه به وبين تخصيص البيت الحرام والمشعر الحرام وشهر رمضان والأشهر الحرم بما خصت به ، ومبنى العبادات على الاتباع لا على الرأي . حكمة رمى الجمار إذا وعيت ما تقدّم كان نورا بين يديك تبصر به حكم سائر مناسك الحج ، أعنى أنها مما تعبدنا اللّه تعالى بها لتغذية إيماننا بالطاعة والامتثال سواء عرفنا سبب كل عمل منها وحكمته أم لا ، وأنها إحياء لدين إبراهيم أبى الأنبياء وإمام الموحدين المخلصين ، وتذكير بنشأة الإسلام ومعاهده الأولى . وإن لاستحضار ذلك لتأثيرا عظيما في تغذية الإيمان وتقوية الشعور به والثقة بأنه دين اللّه الخالص الذي لا يقبل غيره ، فإن جهلنا سبب شرع بعض تلك الأعمال أو حكمتها لا يضرنا ذلك ولا يثنينا عن إقامتها ، كما إذا ثبت لنا نفع دواء من الأدوية مركب من عدّة أجزاء وجهلنا سبب كون بعضها أكثر من بعض ، فان ذلك لا يثنينا عن استعمال ذلك الدواء والانتفاع به ، ولا يدعونا إلى التوقف وترك استعماله إلى أن نتعلم الطب ونعرف حكمة أوزان تلك الأجزاء ومقاديرها . أبسط ما يتبادر إلى الذهن من منشإ هذه العبادة أن هذه المواضع التي تسمى الجمرات كانت من معاهد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ، فشرع لنا أن نقف عند كل واحدة منها نكبر اللّه سبع تكبيرات نرمى عند كل تكبيرة حصاة صغيرة بين أصابعنا نعد بها التكبير ، والعدّ بالحصى - ومثله النوى في مثل الحجاز - من الأمور المعهودة عند الذين يعيشون عيشة السذاجة ، فنجمع بهذا الذكر بهذه الكيفية بين إحياء سنة إبراهيم الذي أقام الدين الحق في هذه المعاهد وبين التعبد للّه تعالى بكيفية لاحظ للنفس ولا محل للهوى فيها . والعبادة منها شعائر يجتمع لها الناس وتقصد الأمة بعملها إظهار الدين والاجتماع والتآلف على عبادة اللّه تعالى ، وكل أعمال الحج من هذا القبيل ، ومنها ما يقصد به تربية كل فرد نفسه وتزكيتها فقط كالتهجد وذكر اللّه في الخلوة ، فلا يقال إن الذكر والتكبير لا يختص بذلك الزمان والمكان ، لأن هذا