الشيخ إبراهيم بن وصيف شاه

79

مختصر عجائب الدنيا

هذا المنام خوفا وفزعا . ولما أن طالت غيبة الوليد ظن أنه بهت ، فلما رأى المنام أيقن بحياته فعزم على أن يجمع مالا ويخرج من مصر ، ثم أنه استشار السحرة والكهنة ، فقالوا : نحن نمنعه منك على أن تسمع منا . قالوا : تعمل صورة عقاب فتتعبد له ، فقد رأيت في منامك منه ما رأيت ، على أن تفعل ذلك . قال عون : ولقد قال لي حين حملني : احفظ هذا ولا تنسه . فعمل تمثال عقاب من ذهب وعيناه جوهرتان ووشحه بأصناف الفصوص ، وعمل له هيكلا عظيما لطيفا وعلقه في صدر ذلك الهيكل وأرخى عليه ستائر « 1 » الحرير ، وبخره وقربه له حتى صوت ، وتعبد له عون ودعا الناس لذلك ، ثم بنى له مدينة عجيبة فعند بنائها لم يدع فاعلا ولا صانعا ولا مهندسا ممن له خبرة بالبناء ، ونحت إلا وأرسله للعمل به . المدينة التي بناها عون في صحراء الغرب : لما فرغ من تصوير التمثال أمره شيطانه أن يبني له مدينة فتكون حرزا ، فأمر عون بجمع كل ساحر وصانع ، فلما اجتمعوا أمر أصحابه أن يبنى / له مدينة في صحراء الغرب ، فاختاروا له أرضا سهلة حسنة الاستواء ، ويكون المدخل إليها من بين هجول صعبة ، وجبال وعرة ، وقريبة من مغيض الماء التي هي اليوم الفيّوم فإنها كانت مغيضا لمياه النيل حتى أصلحها نبي اللّه يوسف عليه السلام ، وإنما أراد عون بذلك أن لا يجري الماء إلى المدينة منها على الصنعة التي أرادها ، فعند ذلك لم يدع بمصر صانعا ولا فاعلا ولا مهندسا ولا من له خبرة بنحت الصخور وتأليفها وبناء القصور وتشييدها إلا وجه به إليهم ، وأنفذ منهم من جيشه ألف رجل وسبعمائة ساحر يعاونوهم بالروحانيين الذين هم في طاعتهم ، وحمل لهم على العجل زادا يكفيهم شهورا حتى تم لهم البناء ، وهي اليوم واضحة في صحراء الغرب يقصدها الطالبية مشهورة بطريق العجل . فلما فرغوا من إحكام البناء خط المدينة فرسخين في مثلها وحفروا في الوسط بئرا جعلوا فيه صورة خنزير نحاس جمع من أخلاط مديرة ونصب « 2 » على قاعدة نحاس وجعلوا وجهه إلى الشرق ، وكان ذلك بطالع زحل واستقامته وشرفه ، وذبحوا له خنزيرا ، ولطخوا وجهه بدمه ، وبخروه بشيء من شعره ، وأخذوا من شعره وعظمه ولحمه ودمه ومرارته فجمعوه وجعلوه في جوف ذلك الخنزير النحاس وجعلوا في أذنيه شيئا من مرارته ، وأحرقوا بقيته ، وجعلوا رماده في قلّة من نحاس تجاه ذلك الخنزير ، ونقشوا عليه

--> ( 1 ) في المخطوط : سائر ، وهو تحريف . ( 2 ) في المخطوط : ونصبوا ، وهو تحريف .