الشيخ إبراهيم بن وصيف شاه
73
مختصر عجائب الدنيا
والزرد والدرق والكفوف ، وما هو معد للقتال ، واستشارتهم فردوا الأمر إليها ، ففتحت خزائنها وأثارت ذخائرها ، وقالت : خذوا ما تحتاجون إليه من الأموال ، فكل ما ترونه في تصرفكم ، وجميع ما احتجتموه منه دونكم . فازدادوا في محبتها وأذعنوا لطاعتها ، ثم أنهم ركبوا خيولهم ، واستعدوا لقتال عدوهم ، ثم بلغها أن أنداخس وجيشه وتوابعهم وملك الشام وعسكره قائمين ، وقد قاربوا الدخول إليهم ، وكان قائدهم واحد من عظمائهم اسمه : جيرون . فاستدركت فرطها وأفكرت في حيلة تأخذهم بها ظئيرا لها من عقلاء النساء ، فقالت : اذهبي إلى جيرون ، فتلطفي في خطابك له ، وتأدبي معه ، فإن الملوك لا يخاطبون إلا بالأدب ، أو يسرع إلى المخاطب العطب ، فقولي : إنني قد سمعت بمعرفته وشجاعته وكرمه ، وإنني قد رغبت في تزوجه ، فإن فعل سلمت له الملك ، وإن لم يرض بنا فالبيداء تجمعنا . فاجتمعت بالقائد ، ففرح فرحا عظيما وقال : أخبريها أنني تحت أمرها ، ومهما اختارته فهو كائن لها ، وعلى حسب اختيارها . فأرسلت له سمّا فدسته في طعام فأكله انداخس ، فمات من وقته ، وأرسل جيرون لها بخبره وإنجاز ما وعدته به . فقالت : إنه لا ينبغي لي ذلك في بادىء أمرك لكن حتى تظهر أنت قوتك وشجاعتك وكرمك وطاعتك وحكمتك ، وتبني لنا مدينة تكون سببا لجمعنا ومنعنا لأعدائنا ، وأنني لا أريد زواجك حتى تظهر لي قوتك وإعجازك . وكان افتخارهم في ذلك الزمان بكثرة / البنيان وعمل التماثيل ونصب الأعلام . فقال : ولها ذلك . فأرسلت تأمره أن ينتقل هو ومن معه من العساكر والجيوش وأتباعهم إلى غربي مصر فامتثل لقولها ، وعمل بمقتضى رأيها ، وبنى لها مدينة في صحراء الغرب وسماها : قندومة ، وأجرى لها نهرا من النيل كبيرا وغرس حولها شجرا كثيرا ، وأقام فيها منارا عاليا ، وعمل فوقه منظرا ظريفا ومجلسا لطيفا وصفحه بالذهب والفضة ، وفرش أرضه بالزجاج المسبوك ، والرخام الملون ، وأبدع في عمله ومع ذلك كانت ترسل فتمدّه بالأموال وتوسع عليه لأجل العمال . فلما فرغ من بنائها أرسلت تخبره أن لها مدينة قد خربت أكثرها على أن تجدد ما دثر فيها ، وأن يشيد حصونها ، فإذا أتم صلاحها ، أرسل عرّفني حتى أنتقل إلى مدينتك التي أنشأتها ، واقسم جيشك أثلاثا وأنفذهم طائفة بعد طائفة . وكان قد أخذ بناء الإسكندرية الثانية وقد نفذ جميع ما معه من المال قبل إتمامها