الشيخ ذبيح الله المحلاتي

316

مآثر الكبراء تاريخ سامراء

وكانت الدار على هيئتها إلى خلافة المعتضد لأنّ أهل محلّة العسكر كانوا على حالهم لعدم المداخلة في أمر الخلفاء والأمراء حين اختلّت أمور سامرّاء ، وسار المعتمد منها إلى حرب يعقوب بن الليث الصفّار وسمع الناس أيضا بخروج صاحب الزنج في البصرة وغلب الأتراك في سامرّاء بعضهم على بعض ، وتوفّي عبيد اللّه بن خاقان فجأة ، وعوقب الناس بالظنّ والتهمة ، وهاجر الناس منها إلى بغداد حتّى أخليت سامرّاء غير محلّة العسكر إلى حدود سنة ثمانين ومأتين ، وفي تلك السنة أرسل المعتضد « 1 » رشيق المازراني - كما رواه الشيخ في كتابه الغيبة وغيره ، قال رشيق : بعث إلينا المعتضد ونحن ثلاثة نفر فأمرنا أن يركب كلّ واحد منّا فرسا نجيبا ونخرج مختفيا لا يكون معنا قليل ولا كثير ، وقال لنا : الحقوا بسامرّاء ووصف لنا دارا ومحلّة وقال : إذا أتيتموها تجدون على الباب خادما أسود ، فاكبسوا الدار ، فمن رأيتموه فيها فأتوني برأسه . فوافينا سامرّاء فوجدنا الأمر كما وصفه ، وفي الدهليز خادم أسود ، وفي يده تكّة ينسجها ، فسألناه عن الدار ومن فيها ، فقال : صاحبها ، فو اللّه ما التفت إلينا وقلّ اكتراثه بنا ، فكبسنا الدار كما أمرنا فوجدنا دارا سرية ومقابل الدار ستر ، ما نظرت قطّ إلى أنبل منه ، كأنّ الأيدي رفعت عنه في ذلك الوقت ، ولم نر في الدار أحدا ، فرفعنا الستر فإذا به بيت كبير وفي آخر البيت بحر ، وفي أقصى الماء حصير قد علمنا أنّه على الماء وفوقه رجل من أحسن الناس هيئة قائم يصلّي ، فلم يلتفت إلينا

--> ( 1 ) هو السادس عشر من الخلفاء العبّاسيّين ومدّة خلافته تسع سنين وقيل عشر سنين . توفّي وهو ابن ستّ وأربعين سنة ، وكان ملكا شجاعا مهيبا ظاهر الجبروت ، وافر العقل ، وكان يقابل الأسد وحده لشجاعته ، وكان قليل الرحمة إذا غضب ، ذا سياسة عظيمة ، وهابه الناس ورهبوه أعظم رهبة ، وسكنت الفتن في أيّامه لفرط هيبته ، فسيأتي أخباره في محلّه بصورة تفصيليّة .