الشيخ ذبيح الله المحلاتي

156

مآثر الكبراء تاريخ سامراء

43 - دير الأعلى هذا الدير بالموصل وهو دير كبير يضرب به المثل في رقّة الهوى وهو حسن المستشرف ، ويقال : إنّه ليس للنصارى دير مثله لما فيه من أنا جيلهم ومتعبّدا لهم ، فيه قلايات كثيرة لرهبانه ، وله درجة منقورة في الجبل يفضى إلى دجلة نحو المائة مرقاة ، وعليها يستقى الماء من دجلة ، وتحت الدير عين كبيرة تصبّ إلى دجلة ، ولها وقت من السنة يقصدها الناس فيستحمون منها ويذكرون أنّها تبرئ من الجرب والحكّة وتنفع المقعدين والمقرعين والزمنى . وللشعانين « 1 » في هذا الدير الحسن يخرج إليه الناس فيقيمون فيه الأيّام ويشربون ، ومن اجتاز بالموصل من الولاة نزله ، وقد قالت الشعراء في هذا الدير ووصفت حسنه ونزهته ، وللثرواني فيه : اسقني الراح صباحا * قهوة صهباء راحا واصطبح في الدير الأعلى * في الشعانين اصطباحا إنّ من لم يصطبحها * اليوم لم يلق نجاحا الأبيات . وكان المأمون اجتاز بهذا الدير في خروجه إلى دمشق فأقام به أيّاما ووافق نزوله عيد الشعانين . فذكر أحمد بن صدقة قال : خرجنا مع المأمون فنزلنا الدير الأعلى بالموصل لطيبه ونزهته ، وجاء عيد الشعانين فجلس المأمون في موضع منه حسن مشرف على دجلة والصحراء والبساتين ويشاهد منه من يدخل الدير ، وزيّن الدير في ذلك اليوم بأحسن زيّ ، وخرج رهبانه وقسّانه إلى المذبح وحولهم فتيانهم بأيديهم المجامر ، قد تقلّدوا الصلبان وتوشّحوا بالمناديل المنقوشة ، فرأى المأمون ذلك فاستحسنه ثمّ انصرف القوم إلى قلاليهم وقربانهم وعطف إلى

--> ( 1 ) شعانين اسم عيد للنصارى .