حيدر أحمد الشهابي
مقدمة 10
لبنان في عهد الأمراء الشهابين
لم يكن يفتر عن سماع القداس يوميّا ؛ وانه كان يسمع القداس الإلهي يوما ما ، ولدى انتهائه بدئ بقداس آخر ، فثبت الأمير يسمع القداس الثاني . وعند نهايته خرج من الكنيسة ، فاعترضه أمير من أقاربه قائلا : ألا يكفي قداس واحد ، والكنيسة تأمر باستماع القداس نهار الاحد والعيد الواجبة بطالته ؟ فاجابه الأمير بأنس ودعة : ان الكنيسة أمرت كما قلت لكنها لم تنه عن استماع القدّاس كل يوم من كان في امكانه تتميم هذه العبادة . ثم اجابه عن استماعه قداسين بما نصّه : « إذا كنت يا صاح في الصيد ، واتاك رفّ حجل فاقتنصته ، ثم أتاك رفّ آخر ألا تقتنصه ؟ فكم احرى اننا نصطاد الكنوز الثمينة بواسطة حضورنا القداس الإلهي الذي منه نكتسب كنزا لا يفنى . » « 1 » وقد اشتهر مؤرخنا بإنفاقه على الرهبان ووقفه الاملاك الكثيرة لهم . وهذا أمر تاريخي ثابت بدليل الصكوك الشرعية التي لا تزال محفوظة حتى اليوم في بعض الأديرة اللبنانية كدير السيدة في شملان ، ودير مار جرجس الشير في بمكين ، ودير مار أنطونيوس القرقفه في كفرشيما ، ومقرّ البطريركية المارونية في بكركي . وجاء في تاريخ الرهبانية الانطونية المشار اليه آنفا انه وقف لدير الشير أوقافا جزيلة من جملتها قنديل كبير من الذهب الخالص ، وانه وقف كرم زيتون لأجل مصروف هذا القنديل . ولا يزال رهبان هذا الدير مع رئيسهم العام يكرّرون الترحّم عليه حتى الساعة هذه . ومما يثبت تديّنه ويدوّن تقواه وصيّته الأخيرة ، والمفاوضات الاكليريكية التي تبودلت بشأنها والتي لا تزال محفوظة في خزانة البطريركية المارونية إلى يومنا هذا . ويظهر من الوصية وتوابعها انه أراد ان يموت في حضن الكنيسة المارونية التي عاش وتربّى في ايمانها ، وانه أوصى بان يوزّع عن نفسه مائة وخمسون الف قرش على جميع الطوائف الكاثوليكية شرقية كانت أم غربية . مواهبه الإدارية والسياسية وكان محبّا للسلام رفيقا بالجميع . فالمعمّرون من شملان اليوم يقولون إن التلاحقة قدّموا له شملان جزاء توسّطه في أمرهم ونجاحه في الحصول على عفو الأمير بشير عنهم . وهو الذي شفع للأمير عباس ، وتوسّل بالأمير فاعور والأمير أمين علي لدى الأمير الكبير . ومما يتّضح من مطالعة تاريخه وكتاب « اخبار الأعيان » للشيخ طنوس الشدياق انه انتدب مرارا للأعمال السياسية والإدارية والحربية . مثال ذلك أنه أرسل سنة 1790
--> ( 1 ) الأب عمانوئيل البعبداتي : تاريخ الرهبانية الانطونية ، ص 423 - 424