ابن الزيات
298
الكواكب السيارة في ترتيب الزيارة
وهم في غاية ما يكون من الأدب معه والاتضاع له وإذا مشى في المدينة يزدحم الناس عليه ويلتمسون منه البركة والدعاء ويقصدون تقبيل يده فلا يمكن أحدا من ذلك بل يصافحهم وكانت ثيابه حسنة ورائحته طيبة وكان ينفق على من يرد عليه نفقة متسعة ويعطى من يده عطاء جزيلا ولم يكن يتسبب في تحصيل شئ من الدنيا ولا يقبل من أحد شيئا وبعث إليه السلطان الملك الكامل ألف دينار فردها اليه وسأله أن يجهز له ضريحا عند قبر أمه في قبة الامام الشافعي فلم يأذن له بذلك ثم استأذنه أن يجهز له مكانا يكون مزارا يعرف به فلم يمكن له في ذلك قال رضى اللّه عنه سمعت الشيخ يقول كنت في أول تجريدى استأذن والدي واطلع إلى وادى المستضعفين بالجبل الثاني وآوى فيه وأقيم في هذه السياحة مدة ليال والها ثم أعود إلى والدي لأجل بركته ومراعاة قلبه وكان والدي يومئذ خليفة الحكم العزيز بالقاهرة ومصر وكان من أكابر أهل العلم والعمل فيجد سرورا برجوعى اليه ويلزمني بالجلوس في مجالس الحكم ثم اشتاق إلى التجريد فاستأذنه وأعود إلى السياحة وما برحت أفعل ذلك مدّة إلى أن سئل والدي ان يكون قاضى القضاة فامتنع ونزل عن الحكم واعتزل الناس وانقطع إلى اللّه تعالى في الجامع الأزهر إلى أن توفى فعدت إلى التجريد والسياحة وسلوك طريقة الحقيقة فلم يفتح علىّ بشئ فحضرت من السياحة يوما إلى المدرسة السيوفية فوجدت شيخا بقالا على باب المدرسة يتوضأ وضوأ غير مرتب يغسل يديه ثم يغسل رجليه ثم يمسح برأسه ثم يغسل وجهه فقلت له يا شيخ أنت في هذا السن في دار الاسلام على باب المدرسة بين الفقهاء وأنت تتوضأ وضوأ خارجا عن ترتيب الشرع فنظر الىّ وقال يا عمر أنت ما يفتح عليك بمصر وانما يفتح عليك بمكة شرفها اللّه تعالى فاقصدها فقد آن لك وقت الفتح فعلمت أن الرجل من أولياء اللّه تعالى وانه تستر بالمعيشة واظهار الجهل فجلست بين يديه وقلت يا سيدي وأين أنا وأين مكة ولا أجد ركبا ولا رفيقا في غير أشهر الحج فنظر الىّ وأشار بيده وقال هذه مكة أمامك فنظرت مكة شرفها اللّه تعالى فتركته وطلبتها فلم تبرح أمامى حتى دخلتها في ذلك الوقت وجاءني الفتح حين دخلتها قلت ولهذا الفتح أشار رضى اللّه عنه في قصيدته الدالية بقوله يا سميرى روح بمكة روحي * * شاديا ان رغبت في اسعادى كان فيها أنسى ومعراج قدسي * * ومقام المقام والفتح بادي قال رضى اللّه عنه أقمت بواد كان بينه وبين مكة عشرة أيام للراكب المجد وكنت آتى منه كل يوم وليلة أصلى في الحرم الشريف الصلوات الخمس ومعي سبع عظيم الخلقة