قايا ديلك

359

كربلاء في الأرشيف العثماني

كان النجف مركزا للنزاع الواقع بين فرعي الشيعة الأصوليين والأخباريين في القرن التاسع عشر ، وكان انتصار الأصوليين في هذا النزاع وإقامة المرجع في النجف عاملا مهمّا لزيادة أهمية النجف ، فالمرجع له تأثير على كل علماء الشيعة في العالم وكان يوجه سياسات العديد من الدول وعلى رأسها إيران ، ولقد سعت كل من الدولة العثمانية وإيران وإنجلترا وروسيا لفرض نفوذها في المنطقة بالطرق المختلفة لمعرفتهم هذا الوضع ، أما علماء النجف فقد أقاموا علاقات مع هذه الدول بما يتفق مع مصالحهم ولكن هذه العلاقات لم تكن بنفس القوة مع كل الدول . بدأت تتكون أقطاب من علماء كربلاء والنجف والأهالي ، وفي الوقت الذي تتكون فيه الأقطاب الشيعية يحدث نزاع حتى ينتصر أحد الأقطاب في هذا النزاع ، ويستمر الكفاح حتى يقضي قطب على القطب الآخر ويجعله دون تأثير ، وبعد هذا النزاع يبدأ نزاع مع قطب أو مجموعة أخرى ضعيفة في طريقها لكسب القوة ، فبعد انتهاء النزاع بين الأصوليين والأخباريين في الربع الأول من القرن التاسع عشر حدث النزاع بين علماء كربلاء وإيران بعد النزاع والخلاف بين الشيعة العرب والإيرانيين في النجف . إن الخلاف هو أصل حياة شيعة النجف ، وعلى الرغم من أن الشيعة مخالفون إلا أنهم يقيمون روابط بمسافات محددة مع مجتمع الدولة المخالف لهم ويستمرون في علاقاتهم محافظين على تلك المسافة . لقد فهمت الدولة العثمانية مزايا الشيعة المخالفة عند فرض نفوذها على شيعة كربلاء والنجف ، وسمحت الدولة العثمانية بهذا الخلاف بالقدر الذي لا يضرّ بمصالحها ، فالدولة العثمانية كانت تعلم جيدا بنية كربلاء وأهاليها الذين يرفضون الخضوع المطلق للحكم الموجود ، ولقد طبقت الدولة العثمانية سياستها طبقا لهذا المفهوم وبهذا تمكنت من إبقاء هذا المكان تحت سيطرتها طوال ثلاثمائة وثلاث وثمانين سنة .