سليمان الدخيل

98

كتاب الفوز بالمراد في تاريخ بغداد

الترف حيث يكون المال وكل نابغ في فن أو مذهب يذهب إلى بغداد لعرض شعره أو غنائه ، فقصدها أناس كثيرون من بلدان مختلفة من بلاد الفرس وبلاد الهند والروم وغيرهم . ومن هؤلاء كثيرون تبغوا في مجالات مختلفة في اللهو والغناء ، ووجدوا الحياة في بغداد حقلا خصبا تبرز فيه مواهبهم ، ويقدرون فنهم أحسن تقدير ، فعرضت كل أمة فنها وأنواع حضارتها فكان في ذلك معرض عام ، وأخذ أهل بغداد من كل لون من ألوان الفنون بحظ وافر ، وأخذت البلاد الأخرى تقتبس الفن من بغداد « 1 » . على أن ما تحدثنا عنه من شغف أهل بغداد باللهو والمجون لا يمنع من ابراز حقيقة ، أن هذا اللهو لم يكن إلا جانبا من حياة الناس فقط المعقدة حقيقة كثر الغناء والطرب في بغداد لكن الناس جميعا لم يكن كلهم يحيون هذه الحياة ، ولا يغيب عن أذهاننا أن الأخبار التي أوردها صاحب كتاب الأغانى في كتابه لا تخلو من مبالغة ظاهرة ليكسب من وراء أخباره مالا أو جاها أو تشويقا لسامعيه ، . وكان هناك تفاوت كبير بين طبقات الناس ، لذلك انقسم السكان في بغداد إلى فريقين ، فرقة يتمثل فيها نزعة اللهو ، وفرقة تفضل الزهد ، ويمثل الأولى أبو نواس ، والثانية أبو العتاهية ، ذلك أن قوما يئسوا من الغنى ورأو أن نفوسهم لا تطاوعهم في القرب من ذوى الجاه ، أو حاولوا ذلك وفشلوا ، فلجأوا إلى القناعة يروضون أنفسهم عليها ، وكثيرون زهدوا تدينا « 2 » . على كل حال أدى الإفراط في اللهو إلى ظهور عناصر مفسدة للإخلاق في بغداد ، ذلك أن فساق الحربية والشطار الذين كانوا ببغداد والكرخ آذوا الناس إيذاءا شديدا ، وأظهروا الفسق وقطع الطريق ، وأخذوا النساء والغلمان علانية من الطرق فكانوا يخطفون الطفل من أبيه ولا يردوه إليه إلا إذا أدى لهم كثيرا من المال ، وكانوا يجتمعون فيأتون القرى ويرهبون أهلها ، ويأخذون ما استطاعوا من ممتلكاتهم لا سلطان يمنعهم ولا يقدر على ذلك ، لأن أمير بغداد ، كان يعتز بهم ،

--> ( 1 ) أحمد أمين : ضحى الإسلام ج 1 ص 125 . ( 2 ) أحمد أمين : ضحى الإسلام ج 1 ص 125 - 126 .