سليمان الدخيل
96
كتاب الفوز بالمراد في تاريخ بغداد
وتشجيعا له على الاستمرار في نشاطه فحفظ ذلك لهم ، فلما نكبوا صار إليهم في حبسهم ، وأقام معهم بقية أيامهم ينشدهم ويسامرهم ، ثم رثاهم فأكثر في الإشادة بمحاسنهم وجودهم ومآثرهم ، فأذاع منها ما كان مستورا « 1 » . ولقد رأينا أن الجواري في بغداد اشتغلن بالغناء ، وبرز منهن كثيرات مثل عاتكة ، وبلغ من شهرتها وحسن غنائها أن المغنيين في مجلس الرشيد كانوا يغنون من ألحانها ، وكانت عاتكة تتقن الضرب بالعود ، ومن أحسن المغنيات غناءا وأروجهم ، وكان مخارق مملوكا لعاتكة ، وهي علمته للغناء ، ودربته على استعمال العود ثم باعته ، فانتقل من رجل إلى رجل حتى صار إلى الرشيد وكان حسن الأداء طيب الصوت « 2 » . وكانت متيم صفراء مولدة من مولدات البصرة ، وبها نشأت وتأدبت وغنت ، وأخذت عن إسحاق الموصلي وعن أبيه وعن المغنية المشهورة بزل ، وبلغ من شهرتها بالغناء أن الخليفة المأمون كان يبعث إليها فتجيئه وتغنيه ، فلما انتقل الخليفة المعتصم إلى سامرا أرسل إليها ، وأنزلها في دار سميت الدمشقي ، ولكنها كانت ترفض الأبتعاد عن بغداد طويلا ، فكانت تستأذنه في الذهاب إلى بغداد فيأذن لها ، وتقضى بمدينة السلام بعض الوقت ثم تعود إلى سامرا « 3 » . من هذا نرى أن الموسيقى والغناء انتشرا في بغداد انتشارا واسعا وأقبل كثير من الناس عليهما من طبقات مختلفة حتى أن شعر الشعراء كان إلا النزر اليسير ، داعرا ، ولم يقاس أهل بغداد من البؤس والشقاء إلا إبان الفتنة بين الأمين « 4 » والمأمون . اهتم الخلفاء العباسيون بعقد مجالس الغناء بمظاهر البذخ والروعة فيتخذ
--> ( 1 ) المصدر السابق ج 6 ص 245 . ( 2 ) المصدر السابق ج 6 ص 260 - 262 . ( 3 ) الأصفهاني : الأغانى ج 7 ص 292 - 293 . ( 4 ) سيد أمير على : مختصر تاريخ العرب ص 387 .