سليمان الدخيل
91
كتاب الفوز بالمراد في تاريخ بغداد
كانت شخصية المأمون تخالف شخصية الأمين ، فقد عرف المأمون منذ حداثته بالجد والحرص على طلب العلم والتفقه فيه حتى أصبح حجة في المسائل العلمية والفلسفية ، ولما قدم بغداد ظل بها ما يقرب من عشرين شهرا لا يستمع إلى للغناء ، ثم سمعه من ولاء ستار متشبها بالرشيد ، واستمر كذلك سبع سنين ثم ظهر للمغنين والملهين « 1 » . ويجدر بنا أن نشير هنا إلى أشهر المغنين في بغداد في العصر العباسي الأول . وذكرنا أن إبراهيم الموصل كان من المقربين إلى الرشيد لبراعته في الغناء ، وأصله فارسي ، تعلم الغناء في الموصلي ، تم صار إلى الري وتعلم فيها أيضا ، وتعلم الغناء العربي والفارسي ، وأعجب به كثير من الناس ، والتفوا حوله حتى أن الرشيد قال : ما أعرف أحدا أكثر أصدقاء من إبراهيم « 2 » يصنع فيحسن ، وكان بمنزله خطيب أو شاعر أو كاتب يتقن مهنته ، فضلا عن أنه كان شاعرا وأديبا حتى قيل إن إبراهيم بستان فيه جميع الثمار والرياحين « 3 » . ولم يكن الناس يعلمون الجواري الغناء ، وأول من علهم إبراهيم فإنه بلغ بالقيان كل مبلغ ، ورفع من أقدارهن ، وكان يضع اللحن ، ويكرره لتستوى له أجزاؤه ، وجواريه يضربن عليه ، صنع إبراهيم الموصلي تسعمائة لحن ، تفوق في ثلاثمائة منها على جميع الموسيقيين المعاصرين والسابقين عليه « 4 » . لما ولى الرشيد الخلافة وجلس بعد فراغه من إحكام الأمور ، دخل عليه المغنون ، وأول من غناه إبراهيم الموصلي ، فشقف به ، وكان الرشيد يعقد مجالس المغنيين ، ويطلب منهم أن يبرز كل واحد منهم ألحانه ، وفضل إبراهيم الموصلي على غيره ، وبلغ من محبته لأغانيه ، أنه كان يذهب إليه في منزله ، ويطلب منه أن يغنيه من ألحانه « 5 » وكان لكل واحد من المغنيين مذهب في الألحان التي
--> ( 1 ) الجاحظ : التاج ص 43 . ( 2 ) الأصفهاني : الأغانى ج 5 ص 169 . ( 3 ) ابن عبد ربه : العقد الفريد ج 4 ص 108 . ( 4 ) الأصفهاني : الأغانى ج 5 ص 187 . ( 5 ) المصدر السابق ج 5 ص 230 .