سليمان الدخيل
71
كتاب الفوز بالمراد في تاريخ بغداد
ماسوية ، وتوجه إلى الدولة البيزنطية وأقام بها فترة من الوقت درس خلالها اللغة اليونانية ، وعاد إلى العراق ودرس اللغة العربية دراسة مستفيضة على الخليل بن أحمد ، ثم عاد إلى بغداد ، ومكنته معرفته القوية باللغتين اليونانية والعربية من القيام بنشاط كبير في حركة الترجمة ، فنقل كتاب أقليدس وكتاب المجسطى لبطليموس وكتاب أبولونيوس في المخروطات ولخص مؤلفات أفلاطون وسقراط وجالينوس ، ونقلها إلى العربية ، ولم يكن مجرد مترجم للكتب التي أشرنا إليها ، بل كان يعلق عليها ، ويوضح ما فيها ، ويلخص ما يحتاج إلى تلخيص ، وبيوبها ، وبالجملة كان خير ما قدم خلاصة الفكر اليوناني إلى المثقفين العرب ، وبالإضافة إلى ما قام به من ترجمة ، فقد صنف أكثر من خمسة وعشرين كتابا « 1 » . ومن أبرز مترجمى المأمون من أهل الذمة يوحنا بن البطريق ، وكان أمينا على ترجمة الكتب العلمية حسن التأدية للمعاني ، وكانت الفلسفة أغلب عليه من الطب « 2 » ، وعنى المأمون بعقد مجالس علمية في قصره يناظر فيها العلماء على اختلاف تخصصاتهم ، وكان أغلب علماء العلوم العقلية من أهل الذمة « 3 » . من أبرز المهن التي عمل بها أهل الذمة في بغداد - لا سيما النصارى - مهنة الطب ، فقد برعوا في تشخيص الأمراض ، ووصف العلاج الناجع لها ونقلوا الكتب الطبية من اللغة اليونانية إلى العربية ، وانكبوا على دراستها ، وإضافة الجديد لها مما يتمشى مع خلاصة تجاربهم وقراءاتهم . ومن أشهر أطباء المنصور جيورجيس بن بختيشوع استدعاه المنصور لما ألم به مرض شديد ، وكان رئيسا لمستشفى جنديسابور فحضر إليه مع تلميذه عيسى بن شهلاتا ، ودعا للمنصور بالفارسية والعربية ، فأعجب المنصور من حسن منطقه ، وعالج المنصور وأحسن علاجه ، فأمر له بخلعة جليلة ، وأمر بإنزاله في أجمل موضع وأكرمه كما يكرم
--> ( 1 ) القفطي : إخبار العلماء بأخبار الحكماء ص 144 . ( 2 ) ابن العبري : تاريخ مختصر الدول ص 336 ، 339 . ( 3 ) المصدر السابق 214 .