سليمان الدخيل

65

كتاب الفوز بالمراد في تاريخ بغداد

وبذلك دخل في نزاع العصبية عنصر قوى جديد ، فقد كان النزاع من قبل محصورا بين الفرس والعرب ، فأصبح بين العرب والفرس من ناحية والترك من ناحية أخرى ، ووجه الترك كل جهودهم للنيل من الفرس والمستبدين بالسلطان ، وبعد أن كانت الأحداث تنصل بأعلام الفرس كأبى مسلم الخراساني والبرامكة وبنى سهل ظهر تاريخ مرتبط أحداثه بأشناس وايتاخ ، إذ كانوا القابضين على زمام الدولة والمتصرفين في شؤونها « 1 » . حافظ المعتصم على جنوده الترك ، وحرص على أن تبقى دماؤهم متميزة فجلب لهم نساءا من جنسهم ، وكان المعتصم ينفق على جنده الترك بسخاء ، وعنى بزيهم وألبسهم أنواع الدبياج والمناطق المذهبة وأتخذلهم ثكنات خاصة ، يعيشون فيها معيشة كريمة ، وقد خص المعتصم الأتراك بالنفوذ - كما قلنا - وجعل لهم مراكز كبيرة في مجالات السياسة والحرب ، وأجزل عليهم الهبات والأرزاق وفضلهم على سائر جنوده « 2 » . وكانت الأتراك تؤذى أهل بغداد بجريها للخيول في الأسواق وما ينال الضعفاء والصبيان من ذلك ، فكان أهل بغداد ربما ثاروا ببعضهم فقتلوه عند صدمه لامرأة أو شيخ كبير أو صبي أو ضرير « 3 » وضاقت بغداد بعسكر المعتصم ، فتأذى منهم الناس ، وزاحموهم في دورهم ، وتعرضوا للنساء فخشى المعتصم من أن تحدث فتنة في بغداد بين جنده من ناحية وأهل بغداد العرب والفرس من ناحية أخرى . لذلك نقل حاضرة دولته إلى سامرا ، ونقل إليها جنده الترك وقال : إن رابني من عساكر بغداد حادث كنت بنجوة ، وكنت قادرا على أن آتيهم في البر وفي الماء « 4 » . يذكر بعض المؤرخين مثل الفخري والسيوطي أن المعتصم قدم إليه رجل شيخ

--> ( 1 ) أحمد أمين : ظهر الإسلام ص 6 . ( 2 ) المسعودي : مروج الذهب ج 2 . ص 266 . ( 3 ) المصدر السابق ج 2 ص 266 . ( 4 ) ابن طباطبا : الفخري في الآداب السلطانية ص 211 .