سليمان الدخيل

170

كتاب الفوز بالمراد في تاريخ بغداد

الفلكيون بينهم ، ورجحوا كفة من يروه مصيبا ، ثم تسأل المنجمين عن اختيار وقت مناسب للعلاج ، فإن اجتمعوا على وقت وإلا نظر الأطباء فيما بين المنجمين من اختلاف وحكموا ، وإلا لزمهم القياس « 1 » . ولم يكن الخليفة الواثق أقل أهتمام من أسلافه بعلم الطب ، بل كان يكرم أهل العلم عموما ، وكان يعقد مجالس مناظراته في فروع العلم المختلفة ، ومن بينها الطب ، ومن مناظرات أطبائه يتضح لنا أن الأطباء في بغداد كانوا يعتمدون على التجربة ، وقسموا التجربة إلى قسمين ، قسم طبيعي وهو ما تفعله الطبيعة في الصحيح والمريض ، وقسم عرضى وهو ما يعرض للحيوان من الحوادث والنوازل ، وقسم إرادى ، وهو ما يقع من قبل النفس الناطقة - أي النواحي النفسية والعصبية التي قد تصيب الإنسان - وحرصوا على تشخيص المرض بدقة ، واستعمال الدواء المناسب من مرض إلى مرض يشبهه ، ومن عضو إلى عضو يشبهه ومن دواء إلى دواء يشبهه ، وكل ذلك لا يمكن استعماله إلا بالتجربة كذلك حددوا وظائف الأعضاء ، وعرفوا أن الضدين لا يجوز اجتماعهما في حال ، وأن وجود إحداهما ينفى وجود الآخر وعرفوا أن السبيل إلى معرفة الطب مأخوذ من مقدمات أولية ، منها معرفة طبائع الأبدان والأعضاء وأفعالها ومنها معرفة الأبدان في الصحة والمرض ومعرفة الاهوية واختلافها ، والأعمال والصنائع والعادات والأطعمة والأشربة ، ومعرفة قوى الأمراض . وكما تختلف الحيوانات في صورها وطباعها ، كذلك أعضاء الحيوان مختلفة في صورها وطباعها ، وأن الأحياء الحيوانية تتغير بالاهوية المحيطة بها ، وبالحركة والسكون والأغذية والنوم واليقظة وسهولة الهضم والأعراض النفسية من الغضب والحزن وأثبتوا أن خير دواء هو الذي يظهر تأثيره الصحيح في الجسم « 2 » .

--> ( 1 ) ابن أبي أصبيعة : طبقات الأطباء ج 2 ص 130 . ( 2 ) المسعودي : مروج الذهب ج 2 ص 385 .